انقطاعات الموت لخوسيه ساراماغو



مقدمة
موجز عن الرواية
استطراد
تحليل
عن ساراماغو
والأحداث بحد ذاتها ليست معقدة ، تسير ببساطة وفق تكهنات جوزيه للنفس البشرية ، أو يجدر بنا تسميتها رؤية وليست تكهنات . فلكل منا رؤيته .
جوزيه المبدع يطرح شيئا واحدا غير مألوف ، ريما موقف معين غير مألوف، أو ظرف تغير ، ويترك لخياله ( ورؤيته) أن يرسم كيف ستتصرف البشرية وفق هذا الموقف الجديد! هكذا هو إبداعه .
أنا أحب جوزيه ساراماغو ! أحبه جدا جدا
خاتمة
     ساراماغو من جديد يصفع اعتقاداتنا الواهية في انقطاعات الموت و يضعنا أمام أسئلة وجودية عن الحياة و الموت والأنظمة والانسان والقيم الأخلاقية بأسلوبه السردي الجبار الذي يحتاج لذهن يستخدم كل خلاياه.فكلنا نتجنب الموت و كأنه كائن مجذوم ولا ندرك أننا مهما توارينا عنه سيجدنا ، كلنا نطمح للخلود بأنانية فلا نعمم الأمنية على جميع الناس لأننا مدركون أن اختفاء الموت كوجوده معضلة..
منذ بداية الرواية هذه تغزونا جملة اسئلة:
ماذا لو حيينا في عالم لا موت فيه ، فلا طفل يموت ولا شاب ، ولا رجل ولا امرأة . عالم يتحقق فيه حلم الإنسانية الأعظم منذ بدء الحياة ، التمتع بحياة أبدية على الأرض ؟ هل سيكون أمراً يستحق كل هذا التفكير الذي قمنا به ؟ وهل سنجد السعادة التي تخيلناها مرافقة لهذا الحلم ؟
هل يمكنك أن تتخيـل كم الفـوائـد التـى ستتبـع ذلك ؟ أم ثمة جانب آخر نعجز عن إدراكه ؟
كل هـذا يـدور فى النصف الأول من الروايـة أما في النصف الثانـى فسييظهـر سؤال آخـر ..
ماذا لو عاد الموت فجأة بعد اختفائه؟
 مـاذا إذا كـان المـوت شخصـًا مُجسمـًا يعيـش بيننـا؟
وإذا كان كذلك هل سيكون رجلًا أم إمرأة؟
مـاذا إذا أصابـه الضعـف والشفقـة بهـؤلاء البشـر ؟

أيضايقنا الموت إذا ما باغتنا ؟ وماذا لو منحنا الموت إنذارًا يسبق أواننا بأسبوع حتى نرتب أمورنا ونودّع من نشاء؟

هذا ما سيجيب عنه ساراماغو في هذا العمل المبهر حيث يأخذ على عاتقـه مسؤوليـه توضيـح أهميـة المـوت وهـى مهمـة غيـر سهلـة كمـا ترى ، فمـن منا يحب أن يمـوت ؟
    فكـرة الروايـة فـريـدة ولكن هـذا لا يكفـى لكـى تكـون الروايـة مميـزة، فقط أضف لهـا أسلـوب ساراماغو الفذ لتحصـل على ما تريـد وتذهب بعيدا في عوالم خيالية فلسفية ممتعة تعيش فيها كما لم تعش من قبل وهذا ما سيفعله ساراماغو.

    تبدأ الرواية برأس السنة الجديدة ، وعلى خلاف عادة الأحداث المأساوية رأس كل سنة، لا يموت أحد حيث سينقطع الموت لمدة سبعة اشهر كاملة. الأحداث تقع في دولةٍ افتراضية ، بنظامٍ ملكي دستوري وديانةٍ مسيحية تسمى مملكة ألدورادو. رغم أن هذه التفاصيل لا تسهم كثيراً في مضمون الرواية، لأن ما تبحثُ فيه هو النفس البشرية والأنظمة الاجتماعية وكيف تتأقلم - إن جاز لنا القول - مع حدثٍ كهذا.، كيف يؤثر توقف موت البشر على السياسة والإقتصاد وعمل العصابات في هذه المملكة؟ وهل يندم البشر على اختفاء الموت أم يرحبون بما حصل؟ يظهر بطل للرواية في منتصفها ليتحاور مع الموت نفسه، الرواية فلسفية تشابه فلسفة ساراماجو في روايته العمى.
      تمثلت مهارة ساراماغو في تناول حدثٍ كئيبٍ كالموت بخفة وسخريةٍ لاذعة دون أن يهون من أثره. فرغم أن الموت - بعد انقطاعه - ظل غائباً عن نصف أحداث الرواية.. مما يعني أن يفسح مجالاً للحياة كي تحتل الساحة، إلا أن الحديث لم يكن عن شئ سواه. وكأن حياتنا مجرد فسحةٍ قصيرة في انتظار الموت !

      ساراماغو يدعونا إلى محبة الموت و يضعنا حسه الفكاهى وسخريته اللاذعة منذ بداية الصفحات أمام مفاجأة فانتازية صاعقة:" فى اليوم التالى لم يمت أحد"، لقد انقطع الموت فى دولة صغيرة -لا اسم لها- وأصبح سكانها لا يموتون ويبقى مريضهم على حاله، وقد يبدو الأمر رائعا في البداية لمن يتوقون إلى الخلود ولكن سرعان ما يوضح "ساراماغو" أنها كارثة تهدد البشرية، فالحكومة لا تستطيع التعامل مع هذا الموقف غير المألوف، ولقد تعثر نظام المعاشات التقاعدية ولم تعد المستشفيات ودور المسنين تفي بالغرض، وأفلست مؤسسات تجهيز الموتى ودفنهم. لقد أثار غياب الموت فوضى ليس لها مثيل ولم تعرفها المجتمعات من قبل وعلى البشرية أن تقبل به كوجه العملة الآخر للحياة، فالمرء لا يستطيع العيش بدون الموت، مع أنه يظهر كتناقض ظاهري للحياة ولكننا في الحقيقة يجب أن نموت لكي تستمر الحياة.


يتحدث ساراماغو عن الموت بصورة مغايرة لما عهدناه من قبل، أقصد مانعرفه عن الموت كخبر عابر عن زيارته لأناس لانعرفهم ولايعنون لنا شيئا، نعرفه من جديد كزائر مفاجىء وقاسي القلب يخطف الأحبة في غفلة منّا، يتحدث عن الموت المجازي في حالات عديدة لأناس لازالوا يمارسون الحياة (المجازية). يتغيب الموت مع ميلاد السنة الجديدة ويعاد تشكيل الحياة والمنطق في غيابه، تماما مثل العمى الأبيض المفاجئ في رواية (العمى). اجتهادات من الحكومة ومن الفلاسفة والكنيسة لاستيعاب الموقف.

أول من سقط من الضحايا هم تجار الموت ؛ لم يعد للتوابيت قيمة ولا لشركات التأمين، ولأن كل ماله علاقة بالمال عمليّ وقليل الكلام ؛ وجدوا البديل سريعا حين توصلوا إلى إتفاق (جنتلمان) يُلزم المواطنين بدفن حيواناتهم النافقة في توابيت بشرية، وشركات التأمين صنعت موت إفتراضي في غياب الواقعي ببلوغ الشخص ثمانين عاما !

الحكومة تتعثر في البداية ثم تطلق التصريحات الحماسية المعتادة مثل :انهم يحسدوننا لأنه لا موت في وطننا، تحاول استغلال الوضع بالتحكم في معدل الكثافة السكنية، في تنشيط أو إبطاء إرسال الأرواح المعذبة إلى خارج حدود الأبدية أي خارج حدود البلاد، وهنا كانت عصابات مافيا الموت أكثر نبلاً منها ؛ هي تنقلك للموت في مقابل مالك لا لحسابات أخرى.

أن تدفع لتموت أو ليموت من تحب (فكرة) توقفت عندها كثيراً، ساراماغو الملحد يحكي عن نعمة الموت ووجهه الرحيم بطريقة إنسان يعتمر قلبه بالإيمان !

عن الفلاسفة في غياب الموت يقول :

"ينقسم الفلاسفة كالعادة،إلى متشائمين ومتفائلين، بعضهم عابسون وبعضهم باسمون، يستعدون لأن يبدؤوا للمرة الألف النزاع الأبدي حول الكأس التي لايُعرف إذا كانت نصف ممتلئة أو نصف فارغة"

يقترح البروتستانتي من وجهة نظره الدينية تنظيم مواكب في شوارع البلاد مطالبين بالموت بالطريقة التي قاموا بها من قبل من أجل طلب المطر ..

السيدة موت ترسل الرسائل البنفسجية بايماءة قاتلة، عازف الفيولونسيل يربك موت ويجعلها تعيد حساباتها.

رائع مشهد العازف وهو يتأمل فراشة الموت دون دراية منه بـ موت التي تتأملها من وراءه، في كناية عن امكانية قرب الموت، لأننا لن نحصل على رسائل بنفسجية من الموت ليخبرنا بمجيئه ؛ نتجاهل هذه الحقيقة الحتمية دائما بتصوره بعيدا عنّا، تتخلى السيدة موت عن المنجل وتختار أن (تعيش) مع رمز الحياة هنا عازف الفيولونسيل.

أعجبتني الملاحظات التي يتركها ساراماغو للقارئ بين السطور :

- "لمحبي الاقتضاب وأسلوب الإيجاز والإقتصاد في اللغة" يستدرك ساراماغو بضرورة الإسهاب في البداية لتوضيح الصورة العامة لما حدث بعد إضراب الموت.

- "تساؤل وفضول من يتابع القصة باهتمام موسوس وهاجسي بحثاً عن التناقضات، وزلات، وسهوات، وإنعدام منطق، من أين للسيدة موت عملة لشراء التذاكر ؟! "

هنا يذكّر القارئ المترصد بأنها دفعت قبل ذلك لسيارة الأجرة من حقيبة أخرجت منها نظارتها الشمسية وكأنه يقول ترفّق بنفسك أيها المتذاكي وحاول الاستمتاع بالقراءة :)

كاتب يذرف الدموع لمشاهدة عمله سينمائيا، يخبرك بطريقة عفوية  عن جدية وقيمة ماتقرأه بين يديك لهذا المبدع.
****
يمكن تقسيم الرواية إلى قسمين، وفي كلا القسمين تيمتي ساراماغو الأساسيتين:
- الإنسانية في مواجهة نفسها ومعضلاتها الكبرى نتيجة لظرف جديد إرادياً - كما في البصيرة - أو "قدرياً" - كما في العمى والطوف الحجري وروايتنا الحالية حيث غاب الموت.- الموقف التأملي للفرد أمام نفسه في لحظة فارقة في تاريخه - حيث يواجهه موقف عادي تقليدي يثير الكثير من الأسئلة حول حياته الفردية والعامة - كما في تاريخ حصار لشبونة وكتاب الرسم والخط وهنا فإن الشخص الذي يواجه اللحظة الفارقة هو الموت نفسه.
القسم الأول
  في هذا القسم ربما بدا لنا الأمر متشابها مع روايته العظيمة العمى، حيث تصاب مدينة ما بوباء.

 كان هذا القسم من الرواية رائعاً فى الوصف المُحكم للنفس البشرية ...ان ينقطع الموت فجأة لهو حادث مخالف بالمطلق لأعراف الحياة، وهنا يكشف ساراماغو ببراعة فائقة عن ردود افعال كل من الحكومة..أصحاب الوكالات الجنائزية..شركات التأمين،بيوت رعاية العجزة والمسنين، وموقف الفلاسفة ورجال الدين وموقف هؤلاء الذين يجدون على الدوام طريقة للأستفادة من اى وضع اياً كان...

هذا القسم يشي بأننا على موعد مع فانتازيا من فانتازيات الموت, متمثلة في الإضطراب الناشئ عن انقطاع الموت تماما عن إحدى البلدان, ثم عودته مرة أخرى بعد انقطاع دام سبعة أشهر. ولعل موضوع العودة هذا هو ما زاد عنصر الفانتازيا أكثر؛ فلم تكن مجرد عودة بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن عندما نقول "عودة الموت", بل كانت العودة بطريقة مبتكرة.توقف الموت و مضي البشر في حياة أبدية أو شبه أبديه ضمن حدود المملكة، مع استمرار الحياة بمنوالها الطبيعي خارج الحدود .نرى شيئا من أسلوب مواجهة الانسان كفرد و المجتمع بشكل عام وأجهزة المملكة كمؤسسات للتصدي لهذا الشيء الطارئ .
القسم الثاني

تتطور الأمور إلى أشياء لم تخطر في البال إذ يتحول مسار الرواية تماما ليبتعد كل البعد عن ما سبق و يقدم صورة أخرى فيتمثل الموت أمامنا بشخصية و شكل فنرى الشخصية تتحرك، وتكتب رسائل إلى الناس الذين شارفت حياتهم على الانتهاء ، فيبتدأ الجزء بتقبل الانسان لمعرفته بموته قبل أسبوع ، ثم يمضي بالطرح الشائك المعقد الذي هو أروع ما فيها ، وهو تخيل شخصية الموت كبداية ونشاطها ، وتأملها وتفكيرها بعملها.

هذه الفنتازيا التي تحمل سخرية لاذعة لم تتوقف عند هذا الحد هذا الجزء بالمناسبة هو الجزء الصعب أعني الجزء البارد الجزء الذي لم تكن به شخصيات تتفاعل معها وتتأثر بها وتنتج تلك العلاقة الدافئة بين القارىء وبين الشخصيات التي لم تكن موجودة إلا لتوضيح الفكرة كان الأمر يبدو مكيكانيكيا سردا خاليا من المشاعر .



إن ظهور شخصية موت صاحبة تلك الرسائل البنفسجية هو الجزء الأكثر إبهارا في الرواية، الموت تبدو جلية واضحة كما هي الحياة.

تبدو أجواء الرواية سوداوية لكنها لم تخلو من الظرافة المشهد الذي وضع الرواي يده على كتف الموت البائسة مثلا أو تصرفات الموت بحد ذاتها  وقد يعجب القارئ من قدرة ساراماغو من المزاوجة بين الموت و الظرافة .

في هذا القسم معالجة شديدة التعقيد لأفكار كثيرة ..و أشبه بالخوض بحقل ألغام فكري أدبي ميتافيزيقي .. وهذا أكثر ما ميز الرواية عن غيرها بالاضافة للنقلة الرهيبة التي أحدثها بعد ما انتهى من القسم الأول..

و انا اقرأ هذا القسم جال بذهني شخص الممثل نيكولاس كايج في فيلم مدينة الملائكة.




في أغلب رواياته يبدأ ساراماغو بفكرة فانتازية شديدة الشطط ثم يبني عليها سلسلة من المترتبات ...قد تبدو طريقته سهلة، فتعتقد أنه يكفي أن تجلس مع نفسك، وتدقق في واقع تعيشه أو حقيقة ما تلمسها، ثم تفكر ماذا لو اختفى هذا الواقع فجأة، وتقلّب الأمر من جميع جوانبه.
اسلوب الرواية سردى من أبلغ ما يكون , وبعض فِقراتها من أعمق ما يكون .

بعض الأجزاء فلسفيه بحتة وتدل على اجتهاد قوى من قِبل الكاتب..
الكثيرُ يُقال حول أسلوب الكتابة بالطبع. هذه قرائتي الثانية لساراماغو - بعد "العمى" - وها أنا أجد الأسلوب ذاته يتكرر: المقاطع الطويلة المسترسلة، دون علامات ترقيم سوى الفاصلة. هذه "اللخبطة" المتعمدة في لصق الحوارات معاً بحيث أضطر لقراءة الحوار أكثر من مرة لأعرف من قال ماذا. ولا يعود الأمر لضعفٍ أسلوبي لدى ساراماغو كما هو واضح، بل حيلة متعمدة لإرهاق قارئه. 
بأسلوبه الرائع (الساخر،اللاذع والذكي) المتمثل تارة بالحوارات، وتارة بالمعالجات والتعمق بها، وأحيانا أخرى بالنقد اللاذع ، دون أن تخلو صفحات الرواية من حس الفكاهة الرائع والذكي الذي يمتلكه.

*النقلة من القسم الأول إلى الثاني لم تكن في المستوى المرتقب وكأن الباب قُفل أمام ساراماغو لاستكمال سرده بنفس درجة واقعيته فقرر ولوج عالم الفانتازيا دون سابق انذار. أحسست بانقطاعٍ ما، لا تواصلية في الحدث. لمتفقد الرواية جماليتها حتى آخر عبارة لكني حين أستعيدها أشعر أني أمام روايتين لا واحدة.

الحوار لدى ساراماجو مثله مثل الوصف قطع فنية ويزيد عليه تحديه للقارىء حيث أنه يجبرك على الإنتباه لكل كلمة وفاصلة ونقطة. إستطرادات ساراماجو وحواره مع القارىء هو أقصى طموحات الفن الروائي لإشراك القارىء في العملية الإبداعية.



السخرية - و الكوميديا السوداء أحياناً - سمة مميزة لساراماجو تضيف لأعماله نكهة تجعل قراءة أعماله - الصادمة أحياناً - متعة روحية وعقلية لا يدانيها أي روائي آخر بإستثناء كونديرا. في رواياتنا هذه لا يسعنا إلا تقدير عقلية المافيا وحسن تصرف رئيس الوزراء والإنبهار أمام محاولة النحويين الدفاع عن اللغة في مواجهة ركاكة الموت.

تبقى إشارة للترجمة الممتازة لصالح علماني الذي وعلى الرغم من أنه يترجم من الإسبانية إلا أنني كنت أتمنى أن تكون كل أعمال ساراماجو المترجمة للعربية علي يديه. فكرة الحرف "gras" جيدة ولكن بعض السهو جعلها أحياناً في المكان الخطأ وهناك فقرة يبدو أنها في غير مكانها الصحيح أو أفتقدت لعلامات الترقيم.

هذا الرجل يفهمني جيدا، كما لو أنه يكتب لي. يكتب ببساطة وكأنما الكلمات تخرج من تلقاء نفسها لا أنه هو الذي يخرجها، يكتب دونما أسماء - وأنا أكره الاسماء - ، وكأنما علم أن الأسماء ليست ضرورية في عالم الرواية ، فربما ينسى المرء الاسم لكن يبقى الانطباع عنه في الذهن . في عالم جوزيه سارماغو يوجد سائق التكسي، والفتاة ذات النظارة ، وعازف البيانو ، والصهر ،والجد ...لكن لا يوجد فيه أسماء!

"الحياة أو الوجود عقد زمني غير مكتوب يفسخه الموت"هكذا يرى ساراماجو الحياة .. لكن ماذا لو قرر الموت عدم فسخ هذه العقد!!ساعتها لن تملك شيء سوى اكتشاف مدى ضعفك وهشاشتك أمام أي حدث يقرر القدر أو العمر أو الحياة تغييره رغما عنك.

في هذه الرواية تقرر ربة الموت أن تتوقف عن عملها لمدة سبعة أشهر فقط كنوع من أنواع التجربة .

نعمالتجرب.ة

لم يتوانى ساراماجو عن ذكر هذا الأمر بوضوح وسخرية في روايته.

الحقيقة لم يكن ساراماجو الأديب الأول الذي تخيل إضراب ربة الموت عن عملها .. ففي قصة قصيرة** للرائع تولستوي يرفض ملك الموت أن يأتي على حياة امرأة أرملة ولها طفلتان شفقة على طفلتيها فيعود إلى الرب رافضا أن يقبض هذه الروح .. فينزله الرب إلى الأرض طالبا منه أن يجد إجابة علامَ يعيش الإنسان وبعد أن يجدها سيكرمه الرب بإرجاع جناحيه وإعادته إلى مملكة السماء.

فعلا .. علامَ يعيش الإنسان؟؟ما معنى الحياة إن لم يكن هناك موت في النهاية؟؟ما مغزى أي عمل تقوم به إن لم يكن له نهاية؟؟

عندما أفكر في هذه الأسئلة يتبادر إلى ذهني مقولة أخيل والذي لم يتوانى
"ساراماجو هنا عن ذكره في عرض حديثة" حتى الآلهة تحسدنا لأننا فانون".
إذن: الشيء الوحيد الذي يعطي الحياة قيمتها انها تتوقف في النهاية،الشيء الوحيد الذي يعطي الحياة معنى هو الموت.
The meaning of life is that it stops.
         Franz Kafka

نعم .. الفناء نعمة .. ولا أتصور أنا كواحد من الناس أن لدي نفسا لأعيش حياة خالدة .. أو معنى في أن يتكرر يوم من حياتي إلى الأبد.

هذا قادني إلى التساؤل عن أشياء أخرى، كمثل لِمَ قد نعيش حياة خالدة في الآخرة!!وهل سيكون لحياتنا أي معنى وقتها .. خصوصا وإن امتلكنا المعرفة الكلية.هذا ما قد يجعلك ساراماجو تفكر فيه في القسم الأول من الرواية.

أما بالنسبة للقسم الثاني فإنه مختلف قليلا ويخفف من وطأة وحدة الأفكار التي اكتظ بها دماغك في القسم الأول.

هنا تظهر ربة الموت في هيئة بشر، ولا أدري إن كانت الفكرة جديدة أم لا.
هذا الكتاب يجعلك تتصالح مع فكرة الموت ليس من مبدأ عقائدي كفكرة الحياة بعدالموت و إنما من منطلق واقعي تجعلك تتمنى الموت بالمعنى الحرفي بل و تشعر بالامتنان لوجوده...فكم من الناس تمنت الخلود لها و لأحبابها و دعت لهم بطول العمر و كم من الناس تأثرت حياتها لموت أحدهم وكم منهم كره الموت وبغضه,حتى أن البعض قام بمحاولات جدية لاختراع عقار يضمن الخلود.... لكن ماذا لو انقطع الموت عن القيام بعمله فعلاً؟
بعد قراءة أي عمل لساراماغو،لن تعد نظرتك للأمور هي ذاتها ولا حتى تفكيرك،سيجعلك تُفكر بطريقة مختلفة، بجنون أكثر.حتماً وضروري ستُغير أعماله في داخِلك شيئاً ما .

ليست هناك تعليقات