‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات و تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات و تأملات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 20 سبتمبر 2018

قائمة الكتب


الجبل السحري لتوماس مان، رواية لطالما قرأت عنها. تحدث عنها كارلوس ليسكانو وقرأت كذلك أن رولان بارث كان يعود إليها كثيرا ، لذلك قمت بتحميلها بغية قراءتها، غير أن عدد صفحاتها 997 جعلني اتردد في الشروع في قراءتها وارجأتها مؤثرا قراءة كتب اخرى كنت ارى اولوية قراءتها.
نفس الشيء حدث لي مع الكثير من الكتب التي توفرها الأنترنيت، فكنت افرح بتحميلها لكني لا أفعل سوى تكديسها ممنيا النفس بقراءتها يوما ما.

من ضمن هذه الكتب التي تكدست عندي اخترت عشرين كتابا اقسمت على نفسي ان اقرأها تباعا ، الواحد تلوى الآخر دون الانشغال بأي كتاب مغر آخر.
هذه هي قائمة الكتب التي عليّ قراءتها ، لقد قلت عشرين وهي واحد و عشرين. ستلاحظ ان لأمبرتو إيكو كتابين ضمن القائمة . "لم استطع عدم إضافة كتاب بندول فوكو، يعجبني كثيرا هذا العنوان."
1-/ إسم الوردة لأومبرتو إيكو.
2-/ الجبل السحري لتوماس مان.
3-/ الجميلات النائمات لياسوناري كاواباتا
4-/ المعلم ومرغريتا لنابوكوف.
5-/ المعطف والأنف لغوغول.
6-/ ابن المقفع اديب العقل، فكتور الكك.
7-/ الفكر البري لكلود ليفي شتراوس.
8-/بندول فوكو لأومبرتو إيكو.
9-/دون كيخوت لسرفانتس.
10-/عشيق الليدي شاترلي ، د.هــ. لورانس.
11-/عوليس لجويس.
12-/اعترافات غايشا لآرثر غولدن
13-/لعبة الكرات الزجاجية لهارمن هسه
14-/موبي ديك لملفيل
15-/نساء صغيرات، لويزا ماري آلكوت.
16-/ جلجاميش لفراس السواح
17-/فهرنهايت 451، راي برادبوري.
18-/ الريح القوية، ميخيل أنخل آستورياس
19-/ الوصايا المغدورة  لكونديرا
20-/ الكاتب وواقعه ليوسا
21-/ الشراع والعاصفة لحنا مينا.

 ستكون إذن رواية إسم الوردة لأومبرتو إيكو أول ما سأبدأ به هذا البرنامج.
هل قلت برنامج؟
أنا أكره البرامج وأكره أن أكون ملتزما تجاه نظام معين أو جهة معينة ، لكنني سأحترم هذه القائمة وفق التسلسل الذي وضعته كيفما اتفق هنا.
وسأخط على هذه المدونة انطباعاتي وسير قراءاتي.

(ههههه أوشكت ان أكتب كلمة "شكرا" في نهاية هذه التدوينة.)


******
 مقالات: عن فكتور الكك صاحب كتاب  "ابن المقفع"
فكتور الكك: رسول العشق الصوفي.
فكتور الكك...النجم العالمي والإنساني.




Share:

السبت، 11 نوفمبر 2017

رسائل إلى ميلينا


إن كتابات كافكا-كما يقول جارودى- هى كفاح ضد الغربة، فى صميم الغربة نفسها. بعبارة أخرى
توضح رأى سبينوزا: إنه وعى بالغربة مصحوب بجهل أسبابها ووسائل التغلب عليها. هناك فصل لابأس من الإطلاع عليه فى كتاب "واقعية بلا ضفاف" لروجيه جارودى عن كافكا.

    في «رسائل إلى ميلينا»  بترجمته العربية عن «دار الأهليَّة» (2017 ــ ترجمة هبة حمدان ومراجعة وتدقيق محمد حنّون) يبدو كافكا مرحاً في بعض الأحيان، كما يظهر البؤس على الوتيرة عينها بطريقةٍ يمكن وصفها بالـ «عجيبة». ذاك التواتر في المزاج، التواترُ الكفيل بخلق نوعٍ من الاستفزاز لدى القارئ. عموماً، فجميع أعمال كافكا تخلق ذاك
الاستفزاز اللذيذ الذي يجعلك متأهّباً لأمور غريبة قادمة ستحصل في الصفحات المقبلة. عالم مركّب، معقّد، مكّون من أمزجة متعددة داخل المزاج الواحد، وتأتي الرسائل إلى المحبوبة لتكمل الصورةَ القاتمة لأكثر الكتّاب إثارةً للنقاش والتفسير.
   ميلينا، هي الحلم ليس فقط بالنسبة لكافكا، كاتب اليوميات، بل هي كذلك لكل الكتّاب «الكبار» إن جاز التعبير. تلك الصراعات التي يمرّ فيها كافكا ويدوّنها على شكل رسائل، تغدو نصوصاً مقدّسة مكتوبة بتعب لحظات الانتظار التي تحيل التأمّل إلى فعلٍ إدمانيّ يدأبُ عليه كاتبُ الرسائل كي يحافظ على مزاجه السيئ مهما كان الثمن!
     نصادف كافكا تماماً كما عرفناه في أعماله الخالدة. نشاهد الانقلاب المزاجي بين رسالة وأخرى.
تبدأ الرسائل بالتحديد في أفريل 1920. الرسالة الأولى من ميلينا المتعبة من زواجها في فيينا، حيث لا ارتباط بينها وبين كافكا إلا روحيَّاً. التواصل الروحي الذي يعطي البعد الأوسع لمعنى كتابة تلك الرسائل، حيث يخيَّل للقارئ أن الكتابة ستكون نوعاً من الخلاص المرتجى. يمكن اعتبار الرسائل نوعاً من التدوين الذاتي، بحيث أنّ السيرة الذاتيَّة يمكن أن تأخذ القارئ في رحلةٍ عميقة نحو حياة كافكا الداخليَّة، مخاوفه، وهذا ما يتجلّى في الرسائل بمجملها، التي تأخذ منحىً عاطفيَّاً، فكرياً، ووجدانيَّاً.
«
كان أوّل من نشر كتاب رسائل إلى ميلينا هو ويلي هاس صديق مشترك بين ميلينا وكافكا، ائتمنته ميلينا على الرسائل قبل الحرب الألمانيَّة، فقام هاس بنشرها عام 1952». حياة ميلينا لا تقل صعوبة ومعاناة عن حياة كافكا: الإدمان، العلاقات، التهرّب والكسل. لكن إلى جانب كل ذلك، ثمة كتابة كانت ميلينا تحرص على المضي قدماً فيها، بالإضافة إلى العمل على كتب كافكا، إلى أن أصيبت على إثر حملها من زواجها الثاني بمضاعفات تسببّت في شلل جزئي في رجلها اليسرى. ولم تتعافَ منه إطلاقاً، ما أدّى إلى إدمانها على المورفين الذي أوقفها عن الكتابة، ناهيك بتسبب الإدمان بإنهاء علاقتها الزوجية الثانية.
عالم مركّب، معقّد، مكوّن من أمزجة متعدّدة داخل المزاج الواحد
     يبقى الطرف الآخر الخفي، رسائل ميلينا التي أُتلفت. ربما كان ليتسنّى لنا التعرّف أكثر على الحب وفلسفته العميقة، العلاقة الروحيَّة، ولن نخوض هنا في التصنيف، فما كتبه كافكا عبر هذه الرسائل هو شحنات قد نسمع صوت تنفّس المدوّن أثناء تدوينها. بتلك الطريقة الساحرة، يمضي كافكا في شرح يومياته لميلينا والاسترسال في الأسئلة والاطمئنان. كما أن القارئ سيلاحظ أن الرسائل كُتبت ليس بغرض النشر، وإنّما بغرض البوح، لما فيها من خصوصيات تدخّل فيها ويلي هاس لاحقاً حذفاً لبعض الفقرات التي توقّع أنّها قد تؤذي بعض الناس الذين كانوا على قيد الحياة آنذاك.

"في هذه اللحظة أنا مشتّت وحزين، أضعت برقيتك، كيف حدث ذلك لا يمكنها أن تضيع! إن ذلك سيئ، إنني أبحث عنها، إنه خطؤك أنت، لو لم تكوني بمثل ذلك الجمال، لما اضطررت أن أحملها طوال الوقت معي"

 هذا مجتزأ من رسالة بعثها كافكا في 31 جويلية 1920 إلى ميلينا فور سماعه بنبأ مرضها، وفيها يتحدّث كافكا عن المرض، مسهباً بعد المقدمة المجتزأة آنفة الذكر: 

"والآن ماذا قال عن الالتهاب على رئتيك، لا أتوقّع أنه نصحك بالصيام أو حمل الأمتعة، وهل نصحك بأن عليك أن تتحسّني لأجلي، أم إنه لم يذكرني إطلاقاً؟".

كمّ الأسئلة في الرسائل المدوّنة عظيم. لا تكاد تخلو رسالة من سؤال. صحيح أنّه أمر بديهي في أي رسالة، لكن مع كافكا تغدو المسألة أعمق. فأسئلة كافكا تدور حول أشياء يعتقد القارئ لأعماله الأخرى أنه مُقدمٌ على كتابة الأجوبة على تلك الرسائل في شكل نصٍّ سردي. هذا ما يجعل التأمّل في لحظات كتابة كافكا لتلك الرسائل وحالته النفسانيَّة أمراً ملغزاً ودونما فائدة من دون استعمال التخيّل واستحضار جمال ميلينا! الأخيرة التي التقاها للمرة الأولى في فيينا، لتصبح فيما بعد المتنفس والحلم الأكبر لكافكا أو ربما مخزناً يحافظ على أسراره وحبّه اللا منتهي.
المزاج المتقلّب لكافكا بين الرسالة والأخرى هو السمة الأكبر المضافة إلى الرسائل، هذا ليس غريباً على رائد السوداوية والكابوسيَّة في الكتابة. الكوابيس واضحة في الرسائل وضوحاً شديداً. الهذيانات الواردة تفصح عن الحالة «الكافكاويَّة» المعتادة:


"دائماً تريدين معرفة إن كنت أحبّك ميلينا، ولكنّه سؤال صعب الجواب. لا يمكن الإجابة عنه في رسالة، ليس حتّى في رسالة الأحد الماضي. أضمن أنني سأقول لك الجواب حين نتقابل المرة القادمة، إن لم تخُني عباراتي، لكن لا يجب أن تراسليني عن قدومي إلى فيينا، فلن أتمكّن من ذلك، فكلما ذكرت ذلك، أشعر كأنك تشعلين ناراً في جلدي، والتي هي أصلاً محرقة، ودائماً تحرق وتحرق لكنها لا تُحرق، بالحقيقة أشعر كأن الشعلات تزداد، وأنا واثق من أنك لا تريدين ذلك"

أن تكون الكتابة، الكتابة وحدها، مركز التفكير لدى الإنسان، هذا ما حاوله كافكا أثناء كتابة تلك الرسائل. المركزية الشعوريَّة هي الكتابة، أو ربمّا نسيان كلّ أمر حياتي والخوض في غمار التدوين لأجل خلاصٍ ما.
الكتاب متوفر على النت بصيغته الإلكترونية لمن يرغب في قراءته.

Share:

الجمعة، 10 نوفمبر 2017

لماذا نكتب ؟

لا شك أنك قد تساءلت يوما لماذا تكتب أو لمن تكتب، أو ربما ماذا ستكتب، إن لم يحدث لك هذا وكنت مغرما بالكتابة او حتى مبتدئا في هذا الهم ، فنصيحتي لك توقف فليس لك في هذا المجال نصيب كما يقولون.
أما وحالك حالي ، فلا شك انك تملك اجاباتك الخاصة عن تلك الأسئلة فلكتابتك دوافع تعرفها انت ،  و قد تتشابه الدوافع  و تختلف من كاتب لآخر.
و أنا بصدد البحث ، ترضية لدافع الفضول ، عن اختلاف هذه الدوافع قادني بحثي إلى عنوان كتاب غريب " مفاوضات مع الموتى " للكاتبة الكندية "مارجريت آتوود" ، اسم لم اسمع به من قبل. لذا بحثت عنها لأجد الموقع الخاص بها حيث أخذت عنها نظرة شاملة.

الكتاب المذكور عبارة عن مجموعة  محاضرات  تتمحور حول الكاتب و القارئ و الكتابة ألقتها الكاتبة   في كامبريدح عام 2000.


******
      تقول أتوود  في مقدمة الكتاب "إنه كتاب عن الكتابة، مع أنه ليس عن كيفية الكتابة.. وهو أيضاً ليس عن كتابة شخص بعينه أو عصر محدد أو بلد دون آخر.. إنه عن الموقف الذي يجد الكاتب نفسه فيه، أو الموقف الذي تجد الكاتبة نفسها فيه، والذي قلما يختلف من كاتب إلى آخر.. وما هي هذه الكتابة.. هل هي نشاط إنساني أم أنها تكليف إلهي، أم مهنة، أم عمل مضجر نؤديه من أجل المال أو لعلها فن، ولماذا يشعر كثير من الناس أنهم مجبرون على أدائها؟ وكيف تختلف الكتابة عن الرسم مثلا؟ وكيف ينظر من يقومون بذلك العمل إلى أنفسهم ونشاطهم من حيث العلاقة معها؟ وهل تبعث آراؤهم بعض الرضا؟ وهل يتغير مفهوم الكاتب من حيث هو كاتب، كما يفسره الكُتاب على مدى الزمن؟ وما الذي نعنيه بالضبط عندما نقول كاتباً؟ أي نوع من الكائنات نتصور؟.

عبر المتاهة
    تعترف الروائية مارجريت أتوود أنه عندما عرضت عليها جامعة كامبريدج إلقاء محاضرات في الأدب بدا لها الأمر شديد البساطة والسهولة ولكن كلما دنا وقت تقديم هذه المحاضرات تقول "خَبَتْ فرحتي".. لماذا؟
    تجيب أتوود "كنت أظن بما أنني كاتبة، أمارس الكتابة فحتما لدي ما أقوله ولكن كلما أمعنت التفكير في ذلك ازداد الأمر سوءاً.. فالكتابة ذاتها بغيضة دائما بما يكفي، أما الكتابة عن الكتابة فمن المؤكد أنها أكثر بغضاً، فهي تقع في جانب اللاجدوى، فليس لديك العذر المعتاد للأعمال الروائية بمعنى وأنت في قلب عملية التركيب والتجميع لا يمكنك الالتزام بمعايير ثابتة راسخة لمحكاة الواقع، وقد يرغب القراء في أن تقدم لهم نظريات أدبية أو خططاً مجردة أو تصريحات أو بيانات، وعندئذ تفتح درج النظرية والبيانات فتجده فارغاً أو على الأقل وجدته أنا كذلك".

أسئلة الكتّاب

ترى الكاتبة مارجريت أتوود أن هناك ثلاثة أسئلة يطرحها الكُتاب على أنفسهم أو يطرحها عليهم القراء: لمن تكتب؟ لماذا تفعل ذلك؟ من أين تأتي تلك الكتابة؟.
فلو حاولنا الإجابة عن سؤال واحد وهو" لماذا تفعل ذلك" فنجد مصدر هذه الإجابة كما تقول أتوود كلمات الكُتاب أنفسهم،فهي مأخوذة عن تلك المصادر المشكوك فيها مثل المقابلات الصحفية والسير الذاتية، ولكنها أيضاً تسجيلات حية من حوارات تمت في الأقسام الخلفية من محال بيع الكتب قبل احتفالات التوقيع الجماعي المفزع، وأيضا مصدرها كلمات الكُتاب في الأعمال الروائية وإن تنكر هؤلاء في هيئة رسامين أو مؤلفي موسيقى.
من كل ذلك تخلص أتوود إلى أن الكتابة تتعلق بالظلام، وبالرغبة في الدخول فيه أو الاضطرار إلى ذلك، وإضاءته إذا حالفنا الحظ ثم إعادة تسليط الضوء على كل شيء.

كيف أصبحت كاتبة؟
في هذه المحاضرة تتحدث أتوود عن حياتها الأسرية منذ إذ كانت طفلة وفي ذلك تقول" يسود الظن بأن في طفولة كل كاتب ما يتصل برسالته التي خلق لها، ولكن إذا تأملنا هذه المرحلة عند الكُتاب نجدها تختلف من كاتب إلى آخر.ولكنها غالباً ما تنطوي على الكتب والوحدة، وعلى الدرب ذاته كانت طفولتي.فتعلمت القراءة مبكراً، وكنت قارئة نهمة أقرأ كل ما يقع في يدي، فلم يمنعني أحد من قراءة كتاب، فقد كانت أمي تحب الهدوء في الأطفال، والطفل الذي يقرأ طفل شديد الهدوء".
كانت فكرة أتوود الأولى لممارسة الكتابة هو أن تكتب قصصا تنساب عاطفة ورومانسية لمجلات الإثارة، فهي تدر دخلاً عالياً، هذا ما عرفته من كتاب" أسواق الكُتاب" وبالتالي تعيش على أرباح تلك القصص وتكتب أدبا جادا، وبعد محاولتين في هذا المجال أيقنت انها لا تملك اللغة المناسبة لمثل تلك الأعمال.
وفي هذه المحاضرة تحدثت أيضا عن مجموعتها الشعرية الأولى وهي في عمر السادسة والعشرين، أما لماذا حقيقية؟ فتقول أتوود "انها مقارنة بذلك الكتيب الصغير الذي طبعته بنفسي على مطبعة أسطوانية في قبو أحد أصدقائي، حسبما كان شائعاً بين الشعراء آنذاك".



الخداع
  تطرح أتوود في هذه المحاضرة فكرة تصور الكاتب لنفسه على أنه اثنان، أحدهما يمارس الحياة ومن ثم يموت والآخر يمارس الكتابة ويصبح اسماً منفصلاً عن الجسد البشري ولكنه متصل بجسد العمل الأدبي.
هل يعني هذا الكلام ان الكُتاب مزدوجو الشخصية؟ من وجهة نظر أتوود نعم"ذلك ببساطة أنك لم تلتق حقيقة على الإطلاق بمؤلف الكتاب الذي قرأته لتوك،فقد مر وقت طويل بين التأليف والنشر والشخص الذي كتب الكتاب هو الآن شخص آخر. أو هكذا يثبت عدم وجود المتهم في مكان الجريمة، وهذا من جهة أسلوب ملائم للكاتب كي يتملص من المسئولية دون أن تلتفت له. ومن جهة أخرى هو حقيقة لا مراء فيها".
وتنتهي المحاضرة بقول بورخيس" لا أدري إيانا كتب هذه الصفحة"،فهو يرى أن النص التام ينتمي إلى المؤلف وهو أحد طرفي المعادلة، وبتعبير آخر فهو ينتمي إلى اسم دون جسد سوى العمل الفني وتنتمي الحياة التي من المفترض أنها أنجزت النص إلى الجزء الفاني من ذلك الثنائي الدينامى. فقد نظن أن كليهما ساهم في كتابة الصفحة ولكن إذا كان الأمر كذلك فمتى وأين؟ وما هي طبيعة اللحظة الحاسمة، أي اللحظة التي تحدث فيها الكتابة؟ فلو استطعنا الإمساك بالاثنين أثناء العمل لربما خرجنا بإجابة أوضح مما لدينا. ولكن لا يسعنا ذلك على الإطلاق. فحتى لو كنا نحن أنفسنا كُتاباً، يتعذر علينا أن نراقب أنفسنا في خضم الكتابة، فتركيزنا آنذاك لابد أن يكون على ما نفعله وليس على أنفسنا.

بين أبولو ومامون: أيهما يعبد الكاتب؟

تطرح مارجريت أتوود في هذه المحاضرة فكرة الصراع بين آلهة الفن والشعر والموسيقى"أبولو" وآلهة المال" مامون" ولكن السؤال: كيف يتشكل هذا الصراع في إطار عملية الكتابة؟.

الإغواء، من يلعب بالعصا السحرية؟

   كيف هي علاقة الكاتب بعالمه الخارجي أي المجتمع وهنا تقدم أتوود السؤال الذي طرحته على صديقة روائية. هل من الممكن كتابة قصة بلا مضمون أخلاقي على الإطلاق؟ وكانت إجابتها"لا، فلا يمكن مقاومة المضمون الأخلاقي، لان للقصة نهاية على أي حال وسيكون للقارئ آراؤه حول الصواب والخطأ في النهاية شئنا أم أبينا".بمعنى القارئ هو الذي يحكم على الشخصيات لأنه من يقوم بتفسير النص وتأويله. وليس الكاتب من يحدد صلة عمله بالمجتمع.

المثلث الخالد: الكاتب والقارئ والكتاب

تتحدث أتوود عن علاقة بين اثنين يجهل كل منهما الآخر ولكن يتصلان عبر "الصفحة" وهنا تطرح الأسئلة التالية: لمن يكتب الكاتب؟ ما وظيفة الكتاب؟ أين يكون الكاتب أثناء قراءة القارئ للكتاب؟

إجابة هذه الأسئلة كما تقول مارجريت أتوود تتركز في" الكاتب يكتب للقارئ ولكنه القارئ الذي هو "أنت" وليس "هم" إنه يكتب للقارئ العزيز، يكتب للقارئ المثالي الذي يوجد في مكان ما من سلسلة متصلة الحلقات، وقد يكون هذا القارئ المثالي أي شخص على الإطلاق لان فعل القراءة غالباً ما يكون مفرداً مثله مثل فعل الكتابة".

مفاوضات مع الموتى
لماذا تم اختيار هذا العنوان تقول الكاتبة" هو اختيار يقوم على فرض أن كل الكتابات الروائية وليس بعضها فقط، بل ربما كل أنماط الكتابة يحركها ويدفعها من الأعماق خوف من الفناء وافتتان به،فكلها تدفعها رغبة للقيام بالرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى العالم السفلي والعودة من عالم الموتى بشيء ما أو بشخص ما، ربما يبدو هذا الموضوع غريباً بعض الشيء.وهو كذلك بالفعل، فالكتابة نفسها تحمل شيئاً من الغرابة".
****
هذه بعض من آراء أحد الكتاب عن الكتابة ، ربما توافقها على ذلك وربما قد تختلف معها ، الأمر الأكيد أنك قد اطلعت على إجابة عن اسئلة قد جالت بخاطرك يوما ما.



Share:

الخميس، 9 نوفمبر 2017

انقطاعات الموت لساراماغو



   من جديد يصفع ساراماغو اعتقاداتنا الواهية في انقطاعات الموت و يضعنا أمام أسئلة وجودية عن الحياة و الموت والأنظمة والإنسان والقيم الأخلاقية بأسلوبه السردي الجبار الذي يحتاج لذهن يستخدم كل خلاياه.
   كلنا نتجنب الموت و كأنه كائن مجذوم ولا ندرك أننا مهما توارينا عنه سيجدنا.  كلنا نطمح للخلود بأنانية فلا نعمم الأمنية على جميع الناس لأننا مدركون أن اختفاء الموت كوجوده معضلة.

منذ بداية الرواية  تغزونا جملة أسئلة:
ماذا لو حيينا في عالم لا موت فيه ، فلا طفل يموت ولا شاب ، ولا رجل ولا امرأة . عالم يتحقق فيه حلم الإنسانية الأعظم منذ بدء الحياة ، التمتع بحياة أبدية على الأرض ؟
هل سيكون أمراً يستحق كل هذا التفكير الذي قمنا به ؟ وهل سنجد السعادة التي تخيلناها مرافقة لهذا الحلم ؟
هل يمكننا أن نتخيـل كم الفـوائـد التـى ستتبـع ذلك ؟ أم ثمة جانب آخر نعجز عن إدراكه ؟
كل هـذا يـدور في النصف الأول من الروايـة أما في النصف الثاني فسيظهـر سؤال آخـر ..
- ماذا لو عاد الموت فجأة بعد اختفائه؟
 مـاذا إذا كـان المـوت شخصـًا مُجسمـًا يعيـش بيننـا؟
- وإذا كان كذلك هل سيكون رجلًا أم امرأة؟
مـاذا إذا أصبـه الضعـف والشفقـة بهـؤلاء البشـر ؟

- أيضايقنا الموت إذا ما باغتنا ؟ وماذا لو منحنا الموت إنذارًا يسبق أواننا بأسبوع حتى نرتب أمورنا ونودّع من نشاء؟.

هذا ما سيجيب عنه ساراماغو في هذا العمل المبهر حيث يأخذ على عاتقـه مسؤولية توضيح أهميـة الموت وهى مهمة غير سهلة كمـا ترى ، فمـن منا يحب أن يمـوت ؟
    فكـرة الروايـة فـريـدة ولكن هـذا لا يكفى لكي تكـون الروايـة مميـزة، فقط أضف لهـا أسلـوب ساراماغو الفذ لتحصـل على ما تريـد وتذهب بعيدا في عوالم خيالية فلسفية ممتعة تعيش فيها كما لم تعش من قبل وهذا ما سيفعله ساراماغو.

    تبدأ الرواية برأس السنة الجديدة ، وعلى خلاف عادة الأحداث المأساوية رأس كل سنة، لا يموت أحد حيث سينقطع الموت لمدة سبعة اشهر كاملة. الأحداث تقع في دولةٍ افتراضية ، بنظامٍ ملكي دستوري وديانةٍ مسيحية تسمى مملكة ألدورادو. رغم أن هذه التفاصيل لا تسهم كثيراً في مضمون الرواية، لأن ما تبحثُ فيه هو النفس البشرية والأنظمة الاجتماعية وكيف تتأقلم - إن جاز لنا القول - مع حدثٍ كهذا.، كيف يؤثر توقف موت البشر على السياسة والاقتصاد وعمل العصابات في هذه المملكة؟ وهل يندم البشر على اختفاء الموت أم يرحبون بما حصل؟ يظهر بطل للرواية في منتصفها ليتحاور مع الموت نفسه، الرواية فلسفية تشابه فلسفة ساراماغو في روايته العمى.
      تمثلت مهارة ساراماغو في تناول حدثٍ كئيبٍ كالموت بخفة وسخريةٍ لاذعة دون أن يهون من أثره. فرغم أن الموت - بعد انقطاعه - ظل غائباً عن نصف أحداث الرواية.. مما يعني أن يفسح مجالاً للحياة كي تحتل الساحة، إلا أن الحديث لم يكن عن شيء سواه وكأن حياتنا مجرد فسحةٍ قصيرة في انتظار الموت !

      ساراماغو يدعونا إلى محبة الموت و يضعنا حسه الفكاهي وسخريته اللاذعة منذ بداية الصفحات أمام مفاجأة فانتازية صاعقة:" في اليوم التالي لم يمت أحد"، لقد انقطع الموت في دولة صغيرة -لا اسم لها- وأصبح سكانها لا يموتون ويبقى مريضهم على حاله، وقد يبدو الأمر رائعا في البداية لمن يتوقون إلى الخلود ولكن سرعان ما يوضح "ساراماغو" أنها كارثة تهدد البشرية، فالحكومة لا تستطيع التعامل مع هذا الموقف غير المألوف، ولقد تعثر نظام المعاشات التقاعدية ولم تعد المستشفيات ودور المسنين تفي بالغرض، وأفلست مؤسسات تجهيز الموتى ودفنهم. لقد أثار غياب الموت فوضى ليس لها مثيل ولم تعرفها المجتمعات من قبل وعلى البشرية أن تقبل به كوجه العملة الآخر للحياة، فالمرء لا يستطيع العيش بدون الموت، مع أنه يظهر كتناقض ظاهري للحياة ولكننا في الحقيقة يجب أن نموت لكي تستمر الحياة.


يتحدث ساراماغو عن الموت بصورة مغايرة لما عهدناه من قبل، أقصد مانعرفه عن الموت كخبر عابر عن زيارته لأناس لانعرفهم ولايعنون لنا شيئا، نعرفه من جديد كزائر مفاجئ وقاسي القلب يخطف الأحبة في غفلة منّا، يتحدث عن الموت المجازي في حالات عديدة لأناس لازالوا يمارسون الحياة (المجازية). يتغيب الموت مع ميلاد السنة الجديدة ويعاد تشكيل الحياة والمنطق في غيابه، تماما مثل العمى الأبيض المفاجئ في رواية (العمى). اجتهادات من الحكومة ومن الفلاسفة والكنيسة لاستيعاب الموقف.

أول من سقط من الضحايا هم تجار الموت ؛ لم يعد للتوابيت قيمة ولا لشركات التأمين، ولأن كل ماله علاقة بالمال عمليّ وقليل الكلام ؛ وجدوا البديل سريعا حين توصلوا إلى إتفاق (جنتلمان) يُلزم المواطنين بدفن حيواناتهم النافقة في توابيت بشرية، وشركات التأمين صنعت موت إفتراضي في غياب الواقعي ببلوغ الشخص ثمانين عاما !
الحكومة تتعثر في البداية ثم تطلق التصريحات الحماسية المعتادة مثل :انهم يحسدوننا لأنه لا موت في وطننا، تحاول استغلال الوضع بالتحكم في معدل الكثافة السكنية، في تنشيط أو إبطاء إرسال الأرواح المعذبة إلى خارج حدود الأبدية أي خارج حدود البلاد، وهنا كانت عصابات مافيا الموت أكثر نبلاً منها ؛ هي تنقلك للموت في مقابل مالك لا لحسابات أخرى.
أن تدفع لتموت أو ليموت من تحب (فكرة) توقفت عندها كثيراً، ساراماغو الملحد يحكي عن نعمة الموت ووجهه الرحيم بطريقة إنسان يعتمر قلبه بالإيمان !
عن الفلاسفة في غياب الموت يقول :
"ينقسم الفلاسفة كالعادة،إلى متشائمين ومتفائلين، بعضهم عابسون وبعضهم باسمون، يستعدون لأن يبدؤوا للمرة الألف النزاع الأبدي حول الكأس التي لايُعرف إذا كانت نصف ممتلئة أو نصف فارغة"
يقترح البروتستانتي من وجهة نظره الدينية تنظيم مواكب في شوارع البلاد مطالبين بالموت بالطريقة التي قاموا بها من قبل من أجل طلب المطر ..

السيدة موت ترسل الرسائل البنفسجية بايماءة قاتلة، عازف الفيولونسيل يربك موت ويجعلها تعيد حساباتها.
رائع مشهد العازف وهو يتأمل فراشة الموت دون دراية منه بـ موت التي تتأملها من وراءه، في كناية عن امكانية قرب الموت، لأننا لن نحصل على رسائل بنفسجية من الموت ليخبرنا بمجيئه ؛ نتجاهل هذه الحقيقة الحتمية دائما بتصوره بعيدا عنّا، تتخلى السيدة موت عن المنجل وتختار أن (تعيش) مع رمز الحياة هنا عازف الفيولونسيل.
أعجبتني الملاحظات التي يتركها ساراماغو للقارئ بين السطور :
- "لمحبي الاقتضاب وأسلوب الإيجاز والإقتصاد في اللغة" يستدرك ساراماغو بضرورة الإسهاب في البداية لتوضيح الصورة العامة لما حدث بعد إضراب الموت.
- "تساؤل وفضول من يتابع القصة باهتمام موسوس وهاجسي بحثاً عن التناقضات، وزلات، وسهوات، وإنعدام منطق، من أين للسيدة موت عملة لشراء التذاكر ؟! "
هنا يذكّر القارئ المترصد بأنها دفعت قبل ذلك لسيارة الأجرة من حقيبة أخرجت منها نظارتها الشمسية وكأنه يقول ترفّق بنفسك أيها المتذاكي وحاول الاستمتاع بالقراءة .
كاتب يذرف الدموع لمشاهدة عمله سينمائيا، يخبرك بطريقة عفوية  عن جدية وقيمة ما تقرأه بين يديك لهذا المبدع.
****
يمكن تقسيم الرواية إلى قسمين، وفي كلا القسمين تيمتي ساراماغو الأساسيتين:
- الإنسانية في مواجهة نفسها ومعضلاتها الكبرى نتيجة لظرف جديد إرادياً - كما في البصيرة - أو "قدرياً" - كما في العمى والطوف الحجري وروايتنا الحالية حيث غاب الموت.- الموقف التأملي للفرد أمام نفسه في لحظة فارقة في تاريخه - حيث يواجهه موقف عادي تقليدي يثير الكثير من الأسئلة حول حياته الفردية والعامة - كما في تاريخ حصار لشبونة وكتاب الرسم والخط وهنا فإن الشخص الذي يواجه اللحظة الفارقة هو الموت نفسه.
القسم الأول
  في هذا القسم ربما بدا لنا الأمر متشابها مع روايته العظيمة العمى، حيث تصاب مدينة ما بوباء.

 كان هذا القسم من الرواية رائعاً فى الوصف المُحكم للنفس البشرية ...ان ينقطع الموت فجأة لهو حادث مخالف بالمطلق لأعراف الحياة، وهنا يكشف ساراماغو ببراعة فائقة عن ردود افعال كل من الحكومة..أصحاب الوكالات الجنائزية..شركات التأمين،بيوت رعاية العجزة والمسنين، وموقف الفلاسفة ورجال الدين وموقف هؤلاء الذين يجدون على الدوام طريقة للأستفادة من اى وضع اياً كان...

هذا القسم يشي بأننا على موعد مع فانتازيا من فانتازيات الموت, متمثلة في الإضطراب الناشئ عن انقطاع الموت تماما عن إحدى البلدان, ثم عودته مرة أخرى بعد انقطاع دام سبعة أشهر. ولعل موضوع العودة هذا هو ما زاد عنصر الفانتازيا أكثر؛ فلم تكن مجرد عودة بالمعنى الذي قد يتبادر إلى الذهن عندما نقول "عودة الموت", بل كانت العودة بطريقة مبتكرة.توقف الموت و مضي البشر في حياة أبدية أو شبه أبديه ضمن حدود المملكة، مع استمرار الحياة بمنوالها الطبيعي خارج الحدود .نرى شيئا من أسلوب مواجهة الانسان كفرد و المجتمع بشكل عام وأجهزة المملكة كمؤسسات للتصدي لهذا الشيء الطارئ .
القسم الثاني

تتطور الأمور إلى أشياء لم تخطر في البال إذ يتحول مسار الرواية تماما ليبتعد كل البعد عن ما سبق و يقدم صورة أخرى فيتمثل الموت أمامنا بشخصية و شكل فنرى الشخصية تتحرك، وتكتب رسائل إلى الناس الذين شارفت حياتهم على الانتهاء ، فيبتدأ الجزء بتقبل الانسان لمعرفته بموته قبل أسبوع ، ثم يمضي بالطرح الشائك المعقد الذي هو أروع ما فيها ، وهو تخيل شخصية الموت كبداية ونشاطها ، وتأملها وتفكيرها بعملها.

هذه الفنتازيا التي تحمل سخرية لاذعة لم تتوقف عند هذا الحد هذا الجزء بالمناسبة هو الجزء الصعب أعني الجزء البارد الجزء الذي لم تكن به شخصيات تتفاعل معها وتتأثر بها وتنتج تلك العلاقة الدافئة بين القارىء وبين الشخصيات التي لم تكن موجودة إلا لتوضيح الفكرة كان الأمر يبدو مكيكانيكيا سردا خاليا من المشاعر .

إن ظهور شخصية موت صاحبة تلك الرسائل البنفسجية هو الجزء الأكثر إبهارا في الرواية، الموت تبدو جلية واضحة كما هي الحياة.
تبدو أجواء الرواية سوداوية لكنها لم تخلو من الظرافة المشهد الذي وضع الرواي يده على كتف الموت البائسة مثلا أو تصرفات الموت بحد ذاتها  وقد يعجب القارئ من قدرة ساراماغو من المزاوجة بين الموت و الظرافة .

في هذا القسم معالجة شديدة التعقيد لأفكار كثيرة ..و أشبه بالخوض بحقل ألغام فكري أدبي ميتافيزيقي .. وهذا أكثر ما ميز الرواية عن غيرها بالاضافة للنقلة الرهيبة التي أحدثها بعد ما انتهى من القسم الأول..

و انا اقرأ هذا القسم جال بذهني شخص الممثل نيكولاس كايج في فيلم مدينة الملائكة.


في أغلب رواياته يبدأ ساراماغو بفكرة فانتازية شديدة الشطط ثم يبني عليها سلسلة من المترتبات ...قد تبدو طريقته سهلة، فتعتقد أنه يكفي أن تجلس مع نفسك، وتدقق في واقع تعيشه أو حقيقة ما تلمسها، ثم تفكر ماذا لو اختفى هذا الواقع فجأة، وتقلّب الأمر من جميع جوانبه.
اسلوب الرواية سردى من أبلغ ما يكون , وبعض فِقراتها من أعمق ما يكون .

بعض الأجزاء فلسفيه بحتة وتدل على اجتهاد قوى من قِبل الكاتب..
الكثيرُ يُقال حول أسلوب الكتابة بالطبع. هذه قراءتي الثانية لساراماغو - بعد "العمى" - وها أنا أجد الأسلوب ذاته يتكرر: المقاطع الطويلة المسترسلة، دون علامات ترقيم سوى الفاصلة. هذه الخلط المتعمد في لصق الحوارات معاً بحيث أضطر لقراءة الحوار أكثر من مرة لأعرف من قال ماذا. ولا يعود الأمر لضعفٍ أسلوبي لدى ساراماغو كما هو واضح، بل حيلة متعمدة لإرهاق قارئه. 
بأسلوبه الرائع (الساخر،اللاذع والذكي) المتمثل تارة بالحوارات، وتارة بالمعالجات والتعمق بها، وأحيانا أخرى بالنقد اللاذع ، دون أن تخلو صفحات الرواية من حس الفكاهة الرائع والذكي الذي يمتلكه.

*النقلة من القسم الأول إلى الثاني لم تكن في المستوى المرتقب وكأن الباب قُفل أمام ساراماغو لاستكمال سرده بنفس درجة واقعيته فقرر ولوج عالم الفانتازيا دون سابق انذار. أحسست بانقطاعٍ ما، لا تواصلية في الحدث. لم تفقد الرواية جماليتها حتى آخر عبارة لكني حين أستعيدها أشعر أني أمام روايتين لا واحدة.

الحوار لدى ساراماغو مثله مثل الوصف قطع فنية ويزيد عليه تحديه للقارىء حيث أنه يجبرك على الإنتباه لكل كلمة وفاصلة ونقطة. إستطرادات ساراماغو وحواره مع القارىء هو أقصى طموحات الفن الروائي لإشراك القارىء في العملية الإبداعية.


السخرية - و الكوميديا السوداء أحياناً - سمة مميزة لساراماغو تضيف لأعماله نكهة تجعل قراءة أعماله - الصادمة أحياناً - متعة روحية وعقلية لا يدانيها أي روائي آخر بإستثناء كونديرا. في رواياتنا هذه لا يسعنا إلا تقدير عقلية المافيا وحسن تصرف رئيس الوزراء والإنبهار أمام محاولة النحويين الدفاع عن اللغة في مواجهة ركاكة الموت.
تبقى إشارة للترجمة الممتازة لصالح علماني الذي وعلى الرغم من أنه يترجم من الإسبانية إلا أنني كنت أتمنى أن تكون كل أعمال ساراماغو المترجمة للعربية علي يديه. فكرة الحرف "gras" جيدة ولكن بعض السهو جعلها أحياناً في المكان الخطأ وهناك فقرة يبدو أنها في غير مكانها الصحيح أو أفتقدت لعلامات الترقيم.

هذا الرجل يفهمني جيدا، كما لو أنه يكتب لي. يكتب ببساطة وكأنما الكلمات تخرج من تلقاء نفسها لا أنه هو الذي يخرجها، يكتب دونما أسماء - وأنا أكره الاسماء - ، وكأنما علم أن الأسماء ليست ضرورية في عالم الرواية ، فربما ينسى المرء الاسم لكن يبقى الانطباع عنه في الذهن . في عالم جوزيه سارماغو يوجد سائق التكسي، والفتاة ذات النظارة ، وعازف البيانو ، والصهر ،والجد ...لكن لا يوجد فيه أسماء!

"الحياة أو الوجود عقد زمني غير مكتوب يفسخه الموت"هكذا يرى ساراماغو الحياة .. لكن ماذا لو قرر الموت عدم فسخ هذه العقد!!ساعتها لن تملك شيء سوى اكتشاف مدى ضعفك وهشاشتك أمام أي حدث يقرر القدر أو العمر أو الحياة تغييره رغما عنك.
في هذه الرواية تقرر ربة الموت أن تتوقف عن عملها لمدة سبعة أشهر فقط كنوع من أنواع التجربة .
نعمالتجرب.ة
لم يتوانى ساراماغو عن ذكر هذا الأمر بوضوح وسخرية في روايته.
الحقيقة لم يكن ساراماغو الأديب الأول الذي تخيل إضراب ربة الموت عن عملها .. ففي قصة قصيرة** للرائع تولستوي يرفض ملك الموت أن يأتي على حياة امرأة أرملة ولها طفلتان شفقة على طفلتيها فيعود إلى الرب رافضا أن يقبض هذه الروح .. فينزله الرب إلى الأرض طالبا منه أن يجد إجابة علامَ يعيش الإنسان وبعد أن يجدها سيكرمه الرب بإرجاع جناحيه وإعادته إلى مملكة السماء.
فعلا .. علامَ يعيش الإنسان؟؟ما معنى الحياة إن لم يكن هناك موت في النهاية؟؟ما مغزى أي عمل تقوم به إن لم يكن له نهاية؟؟
عندما أفكر في هذه الأسئلة يتبادر إلى ذهني مقولة أخيل والذي لم يتوانى
"ساراماغو هنا عن ذكره في عرض حديثة" حتى الآلهة تحسدنا لأننا فانون".
إذن: الشيء الوحيد الذي يعطي الحياة قيمتها انها تتوقف في النهاية،الشيء الوحيد الذي يعطي الحياة معنى هو الموت.
The meaning of life is that it stops.
         Franz Kafka

نعم .. الفناء نعمة .. ولا أتصور أنا كواحد من الناس أن لدي نفسا لأعيش حياة خالدة .. أو معنى في أن يتكرر يوم من حياتي إلى الأبد.
هذا قادني إلى التساؤل عن أشياء أخرى، كمثل لِمَ قد نعيش حياة خالدة في الآخرة!!وهل سيكون لحياتنا أي معنى وقتها .. خصوصا وإن امتلكنا المعرفة الكلية.هذا ما قد يجعلك ساراماغو تفكر فيه في القسم الأول من الرواية.
أما بالنسبة للقسم الثاني فإنه مختلف قليلا ويخفف من وطأة وحدة الأفكار التي اكتظ بها دماغك في القسم الأول.
هنا تظهر ربة الموت في هيئة بشر، ولا أدري إن كانت الفكرة جديدة أم لا.
هذا الكتاب يجعلك تتصالح مع فكرة الموت ليس من مبدأ عقائدي كفكرة الحياة بعدالموت و إنما من منطلق واقعي تجعلك تتمنى الموت بالمعنى الحرفي بل و تشعر بالامتنان لوجوده...فكم من الناس تمنت الخلود لها و لأحبابها و دعت لهم بطول العمر و كم من الناس تأثرت حياتها لموت أحدهم وكم منهم كره الموت وبغضه,حتى أن البعض قام بمحاولات جدية لاختراع عقار يضمن الخلود.... لكن ماذا لو انقطع الموت عن القيام بعمله فعلاً؟
بعد قراءة أي عمل لساراماغو،لن تعد نظرتك للأمور هي ذاتها ولا حتى تفكيرك،سيجعلك تُفكر بطريقة مختلفة، بجنون أكثر.حتماً وضروري ستُغير أعماله في داخِلك شيئاً ما .


Share:

الأربعاء، 16 مارس 2016

كرسي الرئاسة أو عرش النسر


"السخرية تنسف الطبقية والتراتبية"  
"لا بوش ولا شافيز لا إمبريالية اليانكي ولا الاستبداد الاستوائي. تستحق القارة الأميركية ما هو أفضل"
فوينتس

السياسة عهر، عهر الممكن!


   كعادة أعماله المتميزة بالكثافة والتعقيد اللذان يجعلان بعضها في كثير من الأحيان عسيرة الفهم، بالإضافة إلى تضمّنها نزعة ثقافية مع استثناءات قليلة عن القوالب الكلاسيكية للواقعية التقليدية، حيث كانت الواقعية السحرية التي مثلت تيارا واتجاها عاما في أمريكا اللاتينية احتكره الجيل القديم من كتاب الشعر والرواية، بدأت تتسلل إلى الإبداع السردي للجيل الجديد من الكتاب.
Share:

الاثنين، 4 فبراير 2013

اغسل طبقك


هناك قصة مشهورة من قصص الزن مفادها أن احد التلامذة طلب من المعلم  قائلا ” يا معلم ، أنا جديد هنا في الدير ، أرغب في أن تعلمني”
رد المعلم: “هل تناولت طبق الأرز الخاص بك؟”
رد التلميذ: ” نعم لقد تناولت حصتي من الأرز”.
فكان رد المعلم: ” من الأفضل لك أولا أن تغسل طبقك”.
عندها استنار التلميذ.
لست هنا لاستنبط العبرة و المغزى من هذه الومضة، فأنا بعيد كل البعد عن التنوير و الاستنارة و الإلهام و ما شابه، إنما ارغب في التركيز على بساطة النصيحة المسداة هناك:
هل تناولت طبق الأرز الخاص بك؟ إذا من الأفضل لك أولا أن تغسل طبقك.
تجول بخاطري هذه الومضة في أي حين ، في كل مرة انتهي من وجبتي، في الواقع ، ليس فقط عند الأكل ولكن  كلما قمت بمهمة ما.  ” انتهيت من تناول طعامك؟ اغسل طبقك إذا”
أرى هناك شيئا عميقا في هذه النصيحة التي تبدو وجيزة. لا تشغل بالك كثيرا بقضايا كبرى ، او كما يخبل لك أنها كبرى،فقد يحدث لك ان تتفلسف و تنشد معرفة كنه و معنى الحياة مثلا….لا تحاصر تفكيرك بمثل هذه الأمور…  بدلا من ذلك، فقط تحرك ، اعمل ، قم بأول خطوة. فقط اغسل طبقك…. و في غسل طبقك ستجد كل ما انت بحاجة اليه.
صدقني…لقد ثبتت لدي صحة  ذلك.لقد جربت ذلك (حقيقة، وليس مجازا) غسلت طبقي بعد انتهائي من تناول وجبتي (لا يهم إن كانت غذاء أو عشاء… J !!!)، غسلته  ببطء و تؤدة و ذهن صاف. لم يتطلب ذلك مني جهدا و لا مالا و لا وقتا يحتسب.فقط متعة فعل شيء أنا راض عنه.
هل جربت غسل ثيابك مرة ؟ خياطة جورب، تحضير القهوة باكرا بدل زوجتك ، أختك أو أمك؟
 أعرف ..أعرف أن هذا يبدو لك تافها !!!! فقط افعل ذلك مرة.
أنا قمت بذلك ، أقر أنني لست ماهرا في ذلك ، غير أنني فعلت ذلك و انتابني شعور مخالف … شعور بأنك تقدم خدمة لآخر ، مساعدة ، شيئا من هذا القبيل… خاصة اذا كان الآخر شخصا محبوبا لديك.
 لا تظن أن ما ذكرته خاصا فقط بالنظافة و التنظيف، و تسارع الى المطبخ و تنهال على الأطباق غسيلا و تنظيفا، ما ذكرته يخص كل ما نقوم به من مهمات ، افعال تبدو صغيرة، فقط قم بما تفعله بذهن صاف ، بحضور و تركيز و لا تتسارع للانتقال الى المهمة الموالية فقط ليقال عنك انك خدوم!!!.
اغسل طبقك اذا ، بحب و متعة و هناءة بال. 
اظنك استوعبت ما أريد الوصول إليه. أم انك تأنف من غسيل الأطباق؟

-->

******
استفدت من هذه التدوينة ؟ ترغب في المزيد من هكذا تدوينات؟ حسنا، زودني ببريدك و اسمك
و سيصلك تباعا كل جديد.
كما يمكنك الحصول مجانا على "دليلك للقوائم و الحملات البريدية"







Share: