الأربعاء، 26 يناير، 2011

اليوم الثلاثون

*  هذه التدوينة تكملة للتدوينة السابقة

*************
   دخلت قاعة الفحص وكان عاشر الأطباء الذين زرتهم ،، آخرهم ،، هكذا قررت ، سيكون هذا الطبيب آخر من اقصدهم . أعطيته ملفي الضخم و آخر التحاليل التي أمرني بإجرائها، وقبعت انظر إليه يفك الطلاسم وينطق الحكم علي.. كانت الأفكار تتلاطم في خيالي وقلت في نفسي " هذا طبيب !!! أخصائي بحق ، لا نقاش في ذلك ، ماهر و يعرف خبايا المهنة "
لاحظت أمارات الجد و الانهماك بادية على محياه ،،سرت في جسمي رعدة ، رهبة ، يقين بأني هالك .وضع آخر ورقة من أوراق التحاليل على المكتب ،نزع نظاراته و نظر تجاهي ، و سكت ، يقولون السكوت علامات الرضى ، خطأ شائع ،السكوت علامات الموت ، أليس الشعب الساكت شعب ميت؟
طال نظره إلي ، لم يحر ردا ، تململ ، تنحنح ، تردد ثم تشجع وقال :
-         " الأمر بيد الله ، كل الأمور بيد الله..لم يبق لك إلا الله تلجأ إليه وتلح في الدعاء و التبتل ، فحسب ملفك وكمّ التحاليل هذه ، ليس لي إلا قول ما سمعته مني ، الطمع في ربي ،،، لا أظنك ستتعدى الثلاثين يوما "
-         ثلاثين !!! الأطباء الآخرون قالوا على الأكثر أربعة أشهر ومنهم من قال ستة ، و أنت الذي ظننته أحسنهم تنقص المدة إلى شهر ؟ما هذا؟؟؟
في الواقع لم أكن أعي ما أقول ، ولكني وعيت وفهت تلك النظرات ،، وعيت وفهت تلك النظرات المليئة رأفة و شفقة ،، نظرات مواساة و تعزية و قد ترجم ذلك بعد أخذه أجرة على مقابلتي هذه المرة.
خرجت من عنده تائها ، لا ادري إلى أين اذهب ، الشارع مظلم ، الناس خيالات تهرول أمامي ، كل شيء فقد كنهه قبالتي ، لم أدر لمن ألجأ ،  زخم أحاسيس يموج داخلي ، رهبة مشوبة بحنين ، خوف مغلف بلامبالاة ، وحسرة ، حسرة مريرة قد غرست مخالبها في بلعومي فتكومت عبرة خنقتني فاغرورقت عيناي... و بكيت.
مر شريط حياتي أمام ناظري ، حياتي كلها كلمح برق ، كنت أمشي و ابكي وكان المارة ينظرون إلي ، منهم من يجاوزني و يلتفت مستغربا " كبير ويبكي !!!" ، منهم من قال " مسكين !!"، أظنها فتاة شابة قالت ذلك بصوت مسموع من قبيل المواساة ، وأنها تحس بما أعانيه لأنها خاضت التجربة ذاتها أو شبيهتها  ، عذرتها لأنها لا تعلم ، و أنى لها العلم بذلك فأنا لم أبح بسري لأي كان ، وحدهم الأطباء الذين زرتهم يعلمون ولكن الأطباء ينسونك فور خروجك من عندهم ،اللهم إلا إذا لم تعطهم أجرتهم.
لم اشعر بنفسي إلا وأنا أمام المكتبة البلدية ، دخلت، اتخذت مكانا في قاعة المطالعة ، أخذت كتابا من دون اختيار ، كان للأديب مرزاق بقطاش "أبجديات" ، لم أكن ارغب في القراءة و لكني رغبت في أن أخط شيئا ، أخطط ما يجب علي فعله في الثلاثين يوما المتبقية من عمري العفن... اكتب وصية ، اعتذارا ، طلب صفح ، أي شيء ، أي شيء ينقذني من هذا التيه.
طلبت ورقة من احدهم ، كانت فتاة ترتدي حجابا وتمضغ قطعة لبان تتطرطق بين أسنانها الصلبة ،، لم أكن ارتاح لهذه البنت أياما خلت ، أما اليوم فأنا أرى فيها ما لم أكن أراه ،، أحس تجاهها إحساسا مخالفا لما عهدته ،، تظهر لي لطيفة متجاوبة ، جميلة متأدبة ، و قد أحسست فجأة أني أحبها.
ثلاثون يوما !!! لم يبق لي إلا ثلاثين يوما و أفارق كل من أحبهم ، و من أكرههم ايضا.. أكرههم !!! هل لي أناس اكرههم؟؟ لا أظن أني أكرههم.. صدقوني.. ربما كرهت منهم تصرفا لم يرقني ، كلمة أو كلمتين تفوهوا بها ، فجأة قفزت إلى ذهني ديون علقت برقبتي ، ثم تذكرت عماتي ، خالتي ، لم أزرهن منذ عيد الفطر أي قرابة العام ،، و أمي ، لقد أوصتني أن آتيها بقليل من "الحلبة" و تماطلت... و إبني ترجّاني أن أشتري له مسدسا لعبة تطلق الماء بدل الرصاص.وكنت كل مرّة ألطف من حدة إلحاحه و أشتت انتباهه إلى أشياء أخرى ..مسوف أحمق أنا ، مماطل تافه !!! و انحدرت عبرة ساخنة ارتطمت بغلاف كتاب أبجديات ، مسحتها و رحت أتأمل الكتاب... أحبه كثيرا مرزاق بقطاش هذا ، أظنني اعتبره أحسن كاتب جزائري في الوقت الراهن.
الورقة بيضاء نقية أمامي... بيضاء... كنت ورقة بيضاء ذات عمر مضى ، كنت طاهرا ، في قلبي صفاء فطري دنسته الأيام و الليالي القميئة و عكرته نفسي المهلهلة... كنت !!!
ماذا أكتب؟ بماذا أبدأ؟ الوقت قصير ، و لم افعل شيئا طيلة عمري فأنى لي اختصار كل ما أمّلته في ثلاثين يوما. فكرت ، بل حاولت التفكير، فالأفكار و الرؤى كانت تعتلج و تتناطح في رأسي المهموم... و في الأخير سطرت :
1-    علي أن أصلح صلتي بربي. أتوب إليه و اطلب الصفح و المغفرة.
2-    ألجا إلى أمي اقبّل قدميها و أتشبث بجلبابها وابكي  علها تسامحني ،، لم أكن أبدا عاقا و لكني أحس بذنب نحو أمي.
3-    زوجتي ... أحبها تلك المرأة الشفافة ، أحن عليها غير أنني متأكد أنها عانت من طباعي ، تحملتني رغم صعوبة مراسي.
4-    أبنائي... العب معهم... لم ألعب معهم منذ عصور.
5-    أقاربي ، جيراني... أزورهم واحدا واحدا .
6-    الديون !!! عددت ديوني ،، كل من لهم علي دين يسكنون بالبلدة إلا واحدا ،، و هو الذي سأقصده إبتداءا.
7-    المقبرة...سأزور أبي يوميا .
هذا ما خططته ...أطبقت الورقة التي لم تعد بيضاء ، وقمت وقد أشارت الساعة إلى الحادية عشرة و نصف ، خرجت من المكتبة وفي نيتي العودة إلى البيت للاغتسال توبة إلى الله.

...(يتبع)

0 التعليقات: