السبت، 4 يونيو، 2011

الرسالة (2)

 



إقرأ الجزء الأول من الرسالة.

*****
   شيء ما تكور في حلقي...لم انبس ببنت شفة.. لم أحاول مناداته...ذهب حيث لا ادري...واتجهت  وحدي نحو أول مقهى ولم اشتر أي جريدة...طلبت قهوة ...أشعلت سيجارة وهمت مفكرا في حجم ما اقترفت في حق حليم .
  وحل الليل...ولم يعد حليم إلى الغرفة...تحججت لدخول غرفته...وسألت  الزملاء عنه...لا أحد يعلم وجهته...غاب حليم... وجاءت الجمعة...صلينا ...تسكعنا في الشوارع ...شوارع قصر الشلالة اليابسة...عدنا لتناول العشاء ولم يكن حليم ضمن الجمع.
 ذهب حليم إلى حيث لا يعلم أحد...غاب تاركا الندم يعصرني...أتراني أخطأت في حقه إلى هذه الدرجة؟ أتراني كنت أجهل عقليته ظانا أنه سيتفهم الأمر ، سيستحسن اللعبة ؟ لست أدري.
 وجاء يوم السبت، بداية الأسبوع...دخلنا قسم الدراسة، ورحت ابحث عن حليم ...لم يكن جالسا في مكانه المعتاد...ورأيته في الصف الأول مثلما يفعل التلاميذ النجباء...تأكدت أنه قرر مقاطعتي...لم يعر الزملاء اهتماما لذلك ، كنت وحدي المعني.
ومر ذاك اليوم دون أن يكلمني حليم...و لم أحاول ذلك أنا بدوري، فكرت أن اترك له فرصة لنسيان ما حدث...
كان يتحاشى النظر إلي كلما قابلني...مرت أيام معدودة وحليم مقاطعا لي...كنت أراه يمازح الآخرين ... يتندر معهم يضحك ويلعب....كنت وحدي المعني بتجاهله.
مرّ قرابة الشهر ، وقامت إدراة المدرسة بتوجيهنا لإجراء تربصات ميدانية...وبعد رجوعنا بدأ التحضير لنهاية التكوين و التخرج...ورأيت حليم ضمن جماعة من الزملاء تقدمت نحو الجماعة وانغمست في الحديث معهم ...كان يسترق إلي النظرات... وكلمة من هنا و أخرى من هناك !!! بدأ الحديث بيننا...كنا نتكلم وكل منا يرغب في تقديم أسفه أو اعتذاره...كنت أود أن أبين له حسن نيتي ونبل مقصدي... وكان بدوره يرغب في إفهامي انه لم يعد مغتاظا مما حدث...كل منا كان يرغب في تقديم تفسير أو تبرير دون الإفصاح بذلك... وحدها النوايا كانت سفيرة بيننا.
وتفرقنا، عُين كل واحد في مكان عمله ، انا في الغرب و هو في الشرق...انقطعت الأخبار بيننا...إلى أن جاء اليوم الذي علمت فيه مكان عمله... اتصلت به... فرِحَ أيما فرح... تكلمنا عن كل شيء... وعن الرسالة ... قال حليم: "أعظم ذكرى... أعظم ذكرى من اعز صديق... لا زالت الرسالة محفوظة لدي ولا زالت صورة نصيرة بالمظروف... ولا زال الموعد قرب المسبح معلقا "... قال حليم ذلك وهو يضحك... كنت أتخيل أسارير وجهه منبسطة من خلال التلفون..
ومرت الأيام... وانقطعت الأخبار ثانية ... تبا لها  الأخبار!!!  لا تدوم على وتيرة واحدة أبدا...وفي يوم من أيام سنة 2008 آو 2009، لست اذكر بالضبط... كنت عائدا من العمل وإذا بهاتفي يرن...كانت المكالمة من وهران...فاجأني حليم ، قال إنه في وهران ولا يعرف من أين أتى و إلى أين يتجه...
كانت وهران تموج... تغلي ... فقد قام أنصار فريق مولودية وهران بثورة غاضبة إثر سقوط فريقهم إلى الدرجة الثانية من البطولة الوطنية...ومن سوء حظ حليم انه كان ذاك اليوم حاضرا بملتقى وطني خاص بالقطاع... وكونه لم يزر المدينة من قبل تاه وغاب عنه لمن يلجأ، فتذكرني واتصل بي.
اتصلت بأحد الأقرباء  ليُقله بسيارته غير أن قريبي تحجج خوفا على سيارته من التحطيم ...عاود حليم الاتصال بي فأرشدته أي طريق يسلكه ليجيء عندي... وفعلا بعد مضي ما يقارب الساعتين كان عندي في العامرية.... وقابلته...( والأشواق في عينيه...سلّم...سلّم واخد إيدي في إيديه !!!) ...وتسكعنا في شوارع العامرية ليلا...شوارع العامرية تبهر ليلا و تبعث فيك رغبة التقيؤ نهارا...تناقض صارخ...وبتنا ليلتنا تلك نجتر الذكريات...نستعيد ما حيينا في أيامنا الخوالي... وحليم يضحك تارة... يبتسم حينا..بل كل الأحيان...وذكرنا الرسالة...ذكرنا نصيرة و المسبح البلدي...وقال حليم انه لن ينسى أبدا تلك الرسالة...قال أنها أجمل وأعظم ذكرى...قال ذلك بفرنسية مزوقة مثلما يتكلم أصحاب ((bah !!! j’sais pas...بدا لي انه اخذ دروسا مكثفة في الفرنسية...تكلمنا وتكلمنا  ولم اسأله  إلى أي مكان غاب .
وغادر حليم العامرية صباحا...ومرت السنون...وانقطعت الأخبار كعادتها...واتى الفايسبوك...ليجرفني إدمانه...وفي يوم من أيام هذه السنة، لست اذكره...وجدت رسالة يقول باعثها :" هل هذا ابنك يا سعيد؟ حفظه الله من العين ".
نعم ، كان ذاك حليم...اتصل بي من هناك...من بلد القرّ والبرد و(السّرَحْرَحْ)(1)...من كندا. هاجر حليم إلى كندا.
وهكذا أعيد الاتصال بيننا...وأضحى حليم من أصدقاء عالمي الافتراضي...من قراء مدونتي...من متابعي ما اكتب.
ذاكم هو حليم مقصود... زميلي وصديقي و أخي ، أغضبته يوما دون قصد...وإني استسمحه الآن كوني لم أقم بذلك من قبل...انشد فيه ذاك القلب الأبيض الصافي... تلك الروح المرهفة الشفافة ، راجيا منه أن يقول لي أين ذهب بعد ما أذعت له سر الرسالة وتركني وغاب؟ .


*****
تعليق صديقي عبد الحليم على تدوينتي: نعم الوفاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : السرحرح: كلمة جزائرية دارجة تعني المكان الواسع ، الفضاء الخالي .

هناك 15 تعليقًا:

  1. الجميل أن اللى حصل لم يتسبب فى قطيعة بل على العكس ترك بداخلكم ذكرى لا تمحى والأجمل أنكم تتواصلون الآن حتى لو كان عبر العالم الافتراضى

    ردحذف
  2. فعلا يا موناليزا...لا زلنا على اتصال... وقد وعدته أن أكتب عنه تدوينة..وهي ذي التدوينة آمل أن تروقه.

    أشكرك على المتابعة.
    تحياتي.

    ردحذف
  3. ما أروع ماتكتب يا سعيد، اكثر ما اعجبني في هذه القصة انها حقيقيةوأن حليم هذا لازال يتصل بك عبر الفايسبوك...إذا اتصل بك بلغه سلامي ههههههه..وأنا في انتظار رده حتى اعرف غلى اين غاب .

    ردحذف
  4. كنت هنا وقرأت الرسالة في صمت.
    أدام الله صداقتكما معا يا رب

    ردحذف
  5. awalan ana assif ala el kitaba B ahrof latiniya wa dalika liana jihazi la yahwi ahrof arabiya, Said lakad dakartani B ahla ayam ichtoha bel inaka jaaltani aichiha taniatan lam tanssa aya tafsil lakad tadakarta kola lahda min tilka el dikra el jamila wa ma zadaha rawaa osloubaka fi el kitaba elladi youmayizouho anssar etachwik. yawmaha ana lam akon ghadiban mina el mozha wa lakinnani chaartou biana el jamiaa kad istakhafa bi wa kountou mahala soukhriyta el jamiaa lidalika rahaltou fi samta lioukhfi doumouai kadaytou el yawmayn fi madinat tiaret ama an likaina el el thani athnaa ziyarati ila wahran kanafi chahr mai 2008. chokran laka said inaha aj;el hadiya wa tahiyati li jamiaa koraa yawmiyate el wajaa wa el hannin

    ردحذف
  6. ما أغرب هذا الشيطان الذي يملي عليك الكلمات والقصص والرسائل, كانت حادثة طريفة مع زميلك عبد الحليم, أما الآن وعبد الحليم في كندا آن له أن يصدق الرسائل التي ستصله إلى بريده, حتما لن تكون من نصيرة, والحدائق هناك في عالم السرحرح لا تعد ولا تحصى, والمسابح هناك في كل مكان لا تشبه مسابح قصر الشلالة.
    ذكرتني يا سعيد بقصة شبيهة حدثت معي في جامعة تيارت, لا أدر ما قصة هذه الولاية التي تحدث بها هذه القصص, لا أنتظر الإجابة طبعا لأنك ستجد صعوبات في الشرح, ولكني أرسلت برسالة إلى أحد الأصدقاء كدت من خلالها أن أقتلع له قلبه كما يقتلع دراكولا قلب ضحيته بعد أن يمص دمه, هل أسردها عليكم؟؟؟؟ لن احكيها إن لم تطلبوها.

    ردحذف
  7. اخي وليد، ما اروع الحقيقة حين نعبر عنها بصدق رغم جرحها ومرارتها.
    سيبلغ سلامك أكيد...وما عليك غلا قراءة التعليق العربي-فرنجي تحتك لتعلم غلى اين غاب حليم.
    تحياتي.

    ردحذف
  8. مرحبا بالمغربية مرة اخرى، اشكرك على المرور و التعليق.
    وصداقتنا دائمة ان شاء الله.

    مودتي.

    ردحذف
  9. صديقي حليم....اقول لك كما يقول اللبنانيون - تقبر قلبي شو مهضوم هالتعليق-
    وهكذا ذهبت إلى تيارت وتركتني قلبا فارغا....؟ خسارة عليك!!!!.
    لقد قلت لك ان الرسالة تلك ستبقى ذكرى... وهاهي الأن ذكرى مؤرخة وموثقة.

    ادام الله الود بيننا يا حليم ، ولاقاك بأهلك في اقرب الآجال.
    سلامي.

    ردحذف
  10. هذه القصة لم تعجبني...ربما لأنني لم أعثر لها على عبرة ما...أو ربما لأن أكثر شيء أمقته هو الاستهزاء بمشاعر الآخرين...جعل أحاسيسهم محل سخرية... للتسلية...فقط.
    و من خلف قصة الاستهزاء بصديقك... قصة أخرى... اللعب بمشاعر الساذجات اللاتي يسلمن عواطفهن و صورهن لمن لا شهامة و لا مروءة له...
    الغريب أنك تتساءل : "أتراني أخطأت في حقه إلى هذه الدرجة؟"
    و تتجاهل...وتتناسى... إن كنت أخطأت في حق صاحبة الصورة...نصيرة...
    أتذكر كلام شوقي ... إنما الامم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم...

    ردحذف
  11. يحي:
    دائما لتعاليقك نكهة ومذاق خاصين وإن كان شيطاني غريب فشيطانك يا يحي مارد عقار يوحي لك بمص دم ضحاياك،،، هيا يا يحي اقصص حكايتك ونحن هنا مستمعين ، قارئين..
    تحياتي.

    ردحذف
  12. الأخت بنت الجزائر:
    أولا: احييك على هذه الصراحة واحترم فيك الإفصاح عما تحسين دون محابات.
    غير أنني أود لفت انتباهك أن عنوان المدونة هو: يوميات الوجع و الحنين، اي ان يومياتي جزء مما اكتب. وان هذه الرسالة لا تمت للقصة ذات العبرة بصلة لذا هي مُدرجة ضمن تصنيف: يومياتي ومروان و ليس تصنيف: قصص وعبر...انظري اسفل التدوينة. لذا لم تكن أبدا نيتي من كتابتها تقديم العبرة.

    ثانيا: ما قمت بسرده واقعة حقيقية بكل تفاصيلها و قد كنت وعدت صديقي حليم أثناء محادثاتنا في الفايسبوك أن اكتبها يوما.

    عن الاستهزاء بمشاعر الآخرين و اللعب بمشاعر الساذجات اظن أن الحديث سيطول حولهما . لي عودة بعد حين لأتطرق لهما.

    أملي ان لا افقد متابعتك بعد أن لم تعجبك هذه التدوينة وليست القصة.
    تحياتي.

    ردحذف
  13. شكرا لترحيبك لصراحتي.
    فهمت قصدك لكنني لم أخطأ الفهم...التدوينة قصة...و رسالتك قصة...و حتى تاريخ الأمم عبارة عن قصص...كل قصة...سواء أكانت من وحي مخيلتنا أو من واقعنا المعاش...و لكل قصة عبرة...
    على كل حال... سأكتفي بعبرة صديقك ذو القلب الكبير الذي سامحك...
    أدام الله صداقتكم.
    تحياتي و إحترامي

    ردحذف
  14. يوب الطاهر18 يوليو، 2011 6:58 م

    مرحبا صديقي ماروك سعيد...لقد افتقدتك كثيرا...في كل مرة أدخل المقتصدة...أرى طيفك...وأنت منهمك في تصميم قواعد بيانات الأكسس...ذهبت بدون توديعنا...لعلك تكره الوداع...مثلي تماما...لكن يستحيل أن يهرب المرئ من الذاكرة...

    ردحذف
  15. لكم أسعدتني هذه الزيارة يا سي الطاهر،فعلا انا اكره لحظات التوديع ففي كل مرة تهرب الكلمات مني و اخشى ما اخشاه ان تخونني الدموع امام وجوه الفتها و أحببتها، لذا افضل التسلل دون ان ينتبه لي أحد.
    انا كذلك افتقدتك،وافتقدت كل عناصر المقتصدةولكنها سنة الحياة ، دوام الحال من المحال.
    اشكرك جزيلا يا الطاهر... تحياتي العطرة لك و لكل الأحبة.

    ردحذف