الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

حب صادق


*****
  كانت صبيحة ذاك اليوم مشحونة ، هرج و مرج و الناس مابين  داخل و خارج، مستوصف العامرية الوحيد يموج..يغلي..
دخل قاعة الفحص شيخ كبير ذو لحية بيضاء عكست على وجهه مسحة هيبة و جلال، كان في الثمانين من العمر، بعد تبادل كلمات الترحيب ، مد لي يده كي أفك بعض الغرز من اصبعه ظانا أنه شفي من جرح أصابه...بينما انا منشغل بالفك كان الشيخ لا يفتأ ينظر إلى ساعة يده العتيقة ، قال : "أسرع يا ولدي، أنا في عجلة من أمري ، علي أن أصل قبل التاسعة"...
  لا حظت أن الجرح لم يبرأ تماما فاضطررت لأن أخرج من القاعة لجلب بعض الضمادات ، فلاحظت أمارات الإنزعاج قد غزت محياه، وراح يحملق في ساعة يده، ناديت إحدى الممرضات لتتكفل بالتضميد.
  بينما كانت الممرضة تلف إصبعه سألته إن كان على موعد مع طبيب آخر كونه كان يبدي تلك العجلة .
رد الشيخ المهيب، " لا ، ليس لي موعد مع طبيب ، و لكن يجب أن أصل المستشفى قبل التاسعة لتناول فطور الصباح معها "
 و أردف مبتسما " مع صاحبة البيت... زوجتي"
قلت: الله يبارك!!
حكى لي عن قصتها و أنه يزورها بالمستشفى  منذ ما يقارب السنة، كل صبيحة يتناولا فطور الصباح سوية ، و أنها مصابة بمرض الزهايمر.
سألته إن كانت ستغضب منه في حالة وصوله متأخرا.
ابتسم وقال ، و أنى لها الغضب؟ و ممن ؟ فهي لم تعد تعرفني منذ ما يقارب الخمس سنوات.
اندهشت ، لم أصدق و قلت :" و مع ذلك تحرص على الذهاب يوميا؟ رغم عجزها عن التعرف عليك تزورها يوميا لتناول فطور الصباح رفقتها؟
اقترب الشيخ الكبير مني ، ابتسم وهو يربت على يدي قائلا:"  نعم يا ولدي ، هي لا تعرفني  ولكنني ما زلت أعرفها من تكون"


0 التعليقات: