السبت، 28 يناير، 2017

الشروط الستة

في محادثة عبر الفايسبوك مع أحدهم، احتدم النقاش بيني وبينه حول القرآن وقراءته وتدبره.
أذكر أني قلت له أن القرآن قد يسره الله لمن يرغب بصدق في قراءته وتدبره، غير أنه تمسك برأيه أنه لا يمكن أبدا ذلك ما لم نستعن بأسباب النزول وتفاسير المفسرّين.
ما رأيك لو قرأنا تفاسير المفسرين لأية واحدة أو اثنتين ولتكن قوله تعالى في سورة المطففين:
"(كلا إن الفجار لفي سجين. وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم) (المطففين 7-9)" ولكن قبل ذلك دعنا نلقي نظرة إلى ما تواضع عليه العلماء كشروط للمفسر:
قالوا:
1/  أن يكون عالمًا بالقرآن ، حافظًا للقرآن... ، ويفضل فيه أن يكون عالمًا بالقراءات لأن بعض القراءات يفسر بعضًا.
2/  أن يكون عالمًا بالسنة، التي فيها تفسير القرآن الكريم.
3/  أن يكون عنده علم بأصول الفقه ، يعني بأسباب النــزول ، بالناسخ والمنسوخ ، بمعنى المطلق والمقيد ، بمعنى العام والخاص ، بمعنى المجمل والمبين ، بدلالات الألفاظ إذا كان عنده علم بأصول الفقه ،
4/  أن يكون عالمًا بكلام السلف في التوحيد والعقيدة ، حتى لا يفسر القرآن بتفاسير الخلف التي فيها بدع ومحدثات ، إذا جاءت الأمور الغيبية يعلم أصول السلف في تفسير الغيبيات ، في أمور التوحيد وصفات الله – جل وعلا – ، يفسرها بما فَسَّرَه به السلف لا يجتهد في شيء يخالف منهج السلف في ذلك.
5/  أن يكون عالمًا بلغة العرب.
6/  أن يكون في تفسيره مراعيًا مواقع الإجماع والخلاف أن يعلم ما الذي أجمع عليه مما اختلف فيه ، لأنه قد يخالف الإجماع في مسائل.

هذه هي الشروط التي يجب أن تتوفر فيك كي تفهم القرآن لوحدك وإلا خالفت منهج السلف.

نعود الآن للآيات من سورة المطففين:   "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ( 7 ) وما أدراك ما سجين ( 8 ) كتاب مرقوم ( 9 )"
في اعتقادي أن أصعب كلمتين في هذه الآية هما: سجين ، ومرقوم، لذا اخترنا سبعة مفسرين ( لما للعدد سبعة من سحر)حيث  لابد أن الشروط الستة متوفرة فيهم (ابن كثير، القرطبي، الطبري،البغوي، الشوكاني، تفسير الجلالين، الماوردي(.

ماذا قالوا عن الكلمتين؟

1  ابن كثير

سجّين = فعيل من السجن، وهو الضيق كما يقال فسيق وخمير وسكير ونحو ذلك ولهذا عظم أمره فقال (وما أدراك ما سجين ) ؟ أي هو أمر عظيم وسجن مقيم وعذاب أليم .
قال قائلون هي تحت الأرض السابعة، وقيل صخرة تحت السابعة خضراء، وقيل بئر في جهنم.
والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق.وقوله كتاب مرقوم ) ليس تفسيرا لقوله وما أدراك ما سجين ) وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد.


ثم يورد ابن كثير حديثا، ورغم أنه يقول (حديث غريب منكر لا يصح) إلا انه يكتبه ضمن تفسيره.
يقول:  روى ابن جرير  فقال حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي عن شعيب بن صفوان عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الفلق جب في جهنم مغطى وأما سجين فمفتوح 

إذا هناك تعريف آخر للسجين وهو: الفلق المفتوح في جهنم.

خلاصة ما قاله ابن كثير

  السجين هو واحدة من أربع 1 الضيق 2 تحت الأرض السابعة  3 صخرة تحت السابعة خضراء  4 بئر في جهنم
 لم نذكر "الفلق المفتوح في جهنم" لأن ابن كثير يقول عن الحديث )غريب منكر لا يصح(.
أما الكتاب المرقوم:  فهوالمصير المرقوم المكتوب المفروغ منه لا يزيد فيه أحد ولا ينقص منه أحد.

2  القرطبي

 سجين= صخرة تحت الأرض السابعة ، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها .
سجين= صخرة تحت الأرض السابعة ، تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس .
سجين= صخرة سوداء تحت الأرض السابعة ، مكتوب فيها اسم كل شيطان ، تلقى أنفس الكفار عندها .
سجين= حجر أسود تحت الأرض ، يكتب فيه أرواح الكفار .
 سجين= هي الأرض السابعة السفلى ، وفيها إبليس وذريته .
سجين=  في الأرض السابعة .
 سجين : هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم . 
 وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " سجين جب في جهنم وهو مفتوح
 " وقال في الفلق : " إنه جب مغطى.
 وقال أنس : هي دركة في الأرض السفلى .
 وقال أنس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " سجين أسفل الأرض السابعة. "
وقال عكرمة : " سجين : خسار وضلال " ; كقولهم لمن سقط قدره : قد زلق بالحضيض .
وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج : لفي سجين لفي حبس وضيق شديد ، فعيل من السجن ; كما يقول : فسيق وشريب ; قال ابن مقبل :
ورفقة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصت به الأبطال سجينا

والمعنى : كتابهم في حبس ; جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم ، أو لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان . 
وقيل : أصله سجيل ، فأبدلت اللام نونا .
وقد تقدم ذلك . وقال زيد بن أسلم : سجين في الأرض السافلة ، وسجيل في السماء الدنيا.
 القشيري : سجين : موضع في السافلين ، يدفن فيه كتاب هؤلاء ، فلا يظهر بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون .

 كتاب مرقوم = مرقوم أي مكتوب ، رقم لهم بشر : لا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد .
كتاب مرقوم = مختوم ، بلغة حمير.
خلاصة ما قاله القرطبي

  السجين هو واحدة من 13
1   صخرة تحت الأرض السابعة ، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها.
2   صخرة تحت الأرض السابعة ، تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس.
3   صخرة سوداء تحت الأرض السابعة ، مكتوب فيها اسم كل شيطان ، تلقى أنفس الكفار عندها.
4   تحت خد إبليس.
5   حجر أسود تحت الأرض ، يكتب فيه أرواح الكفار.
6   الأرض السابعة السفلى ، وفيها إبليس وذريته.
7   في الأرض السابعة.
8   مَثَلٌ وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم.
9   جب في جهنم وهو مفتوح.
10 دركة في الأرض السفلى.
11 حبس.
12 هو سجيل و أبدلت اللام نونا.
 13 موضع في السافلين يدفن فيه كتاب هؤلاء.

أما الكتاب المرقوم فهو واحدة من اثنتين: مكتوب كالرقم في الثوب ، لا ينسى ولا يمحى أو مختوم ، بلغة حمير.

3  الطبري

 السجين هو:
1 الأرض السابعة السفلى
2 "فعيل " من السجن ، كما قيل : رجل سكير من السكر ، وفسيق من الفسق .. 
3 في الأرض السابعة 
4 الأرض السفلى ، قال : إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى
5 الأرض السابعة السفلى ، وفيها أرواح الكفار تحت حد إبليس 
6 الأرض السفلى فيها أرواح الكفار ، وأعمالهم أعمال السوء.
7 في أسفل الأرض السابعة .
8 الأرض السفلى 
9 عملهم في الأرض السابعة لا يصعد 
10 يقال سجين : الأرض السافلة ، وسجين : بالسماء الدنيا.

11 حد إبليس.
12 تحت حد إبليس.
13 جب في جهنم.
14 صخرة التي تحت الأرض ، قال : ويرى أن سجين صفة من صفاتها.
15 صخرة في الأرض السابعة ، فيجعل كتاب الفجار تحتها .
كتاب مرقوم
  وعني بالمرقوم : المكتوب 

4 البغوي

سجين:  
1 الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار.
2 أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا موسى بن محمد ، حدثنا الحسن بن علويه ،أخبرنا إسماعيل بن عيسى ، حدثنا المسيب ، حدثنا الأعمش ، عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " سجين " أسفل سبع أرضين ، و " عليون " في السماء السابعة تحت العرش 
3 موضع جند إبليس. 
4 تحت جند إبليس.
5 الأرض السفلى ، وفيها إبليس وذريته
6 صخرة تحت الأرض السابعة السفلى
7 صخرة تحت الأرض السفلى.
8 آخر سلطان إبليس
9 جب في جهنم مفتوح
10 خسار وضلال .
11 في حبس وضيق شديد 
كتاب مرقوم
مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب ، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به .
رقم عليه بشركائه كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر .
مختوم ، بلغة حمير . 

5  فتح القدير للشوكاني

سجين
1 كتاب مرقوم، (يعني سجين هو إسم علم للكتاب المرقوم
2 صخرة تحت الأرض السابعة تقلب.
3 حبس وضيق شديد
4 اشتقاقه من السجن ، وهو الحبس.غير أن الواحدي قال : هذا ضعيف لأن العرب ما كانت تعرف سجينا .ولكن الشوكاني رد عليه بأن رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة ، وتدل على أنه من لغة العرب ، ومنه قول ابن مقبل:
ورفقة يضربون البيض ضاحية           ضربا  تواصت به الأبطال سجينا.
5 النون بدل من اللام ، والأصل سجيل ، مشتقا من السجل ، وهو الكتاب.
مرقوم : رقم لهم بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر مختوم بلغة حمير ، وأصل الرقم الكتابة .

6  الماوردي

سجين:  
1 خسار.
2 تحت الأرض السابعة .
3 الأرض السافلة .
4 صخرة في الأرض السابعة ، فيجعل كتاب الفجار تحتها
5 جب في جهنم مفتوح.
6 تحت خد إبليس.
7 حجر أسود تحت الأرض تكتب فيه أرواح الكفار.
8 الشديد
9 السجن.
 كتاب مرقوم: مكتوب أومختوم.

الجلالين

سجين: مكان أسفل الأرض السابعة وهو محل إبليس وجنوده
كتاب مرقوممختوم

*****


نلاحظ أن المفسرين السبعة لم يأتوا بأي حديث  صحيح لرسول الله "ص" يفسر فيه الكلمتين اللهم إلا ذاك الحديث الغريب المنكر الذي لا يصح  و لسنا ندري لماذا يُستشهد به مادام لا يصح؟
ماذا سنفهم مما قاله المفسرون هنا؟
هل سجين هي تحت خد إبليس؟؟ وما معنى خد ابليس؟ أم هي موضع جند ابليس؟ أم هي صخرة تحت السابعة خضراء ؟ وهل هي خضراء أم سوداء؟ أم صخرة تحت الأرض السابعة، أم حجر أسود فيه أسماء الشاطين، أم مكان تُحفظ فيه أرواح الكفار تحت الأرض، أم هي بئر في جهنم، أم مكان في السماء الدنيا؟ 
ماذا نستخلص مما سبق؟

إذا أردنا ان نستعين بقول المفسرين في معنى "سجّين" و" كتاب مرقوم" فإننا لا بد سنتوه  وسنفقد أي معنى كان مخزونا لدينا عن الكلمتين.

0 التعليقات: