الثلاثاء، 11 يناير، 2011

بذلة العرس

دخلت ومروان قاعة العرس  حيث كان الناس يتراقصون ، و بعبارة أدق ينُطُّون و يصيحون " ويــــيـــيــــيــوْ ،، يا ويــــيــــيـــيـوْ " دلالة على الانطلاق و التحرر و الزهو... أضواء تتوه جراها الأعين ...حركة و غُدو ورواح ، هذا ينادي ذاك ليرد ذاك الكرّة وينادي هذا،، آخر يومئ للعريس لكي يعلم الجميع أنه من معارفه أو المقربين منه ،، يناديه و هو يرقص و لسان حاله يقول " انظر !!!   أنا أزهّي لك يوم فرحك ، لا تنسى  تعبي هذا ومساندتي "
   وآخر يستقبل المدعوين ويوجههم " تفضلوا ،، تفضلوا " ،  مع العلم انه لا علاقة له بتاتا بالعريس  غير أن أخاه كان يدرس مع العريس ذات قرن مضى. و ما يقوم به اليوم في العرس يُعد من قبيل المعاونة  و بذلك يضمن أن عشاءه سيكون مع المعاونين و أن الناس جميعا سيقولون " نعم الرجل ذاك ،، الله يعمرها سلعة ،، لولاه لكان العرس فضيحة ،، لقد أنقذ أهل العرس ".
بالكاد وجدنا مكانا نجلس فيه ، قال مروان : " جميل !!! من هذه الزاوية سنتحكم في كل شيء ".
     صديقي مروان يحب التحكم في كل شيء مع أنه لا يتحكم في أتفه الأشياء...كانت موسيقى "الراي" تثقب طبول آذان السامعين ، و لكنهم لا يأبهون ، أليسوا في عرس ؟ ..في العرس كل شيء ممكن...
فجأة صاحت سيلين ديون... وتذكر الناس فيلم تيتانيك وديكابريو ، و إذا كنت في عرس و تبدل نوع الأغاني من "الراي" إلى " الغربي" أو الكلاسيكي فاعلم ان وقت الأكل قد حلّ.
  تقدم أحد المعاونين و صاح " هيا يا جماعة ... أربعة  أربعة " يعني كل أربعة يلتفون حول مائدة. كان بجانبي مروان و آخر لا أعرفه و إذا بأحمد يطل علينا " السلام عليكم " و جلس.
وجاء صحن "الحريرة" ساخنة و البخار يتصاعد ليزيد من حجم الشهية ، و بدأنا نحتسي و فجأة قال أحمد : " مروان ! إحذر البذلة ... الحريرة  بها الزيت، أقصد  كمّ البذلة ... أنت تعرف !!"
لم يعر أحد كلامه اهتماما غير أنني لاحظت أمارات الانزعاج على وجه مروان... واصلنا الأكل والمعاونون يتصايحون " الخبز ! هاتوا الخبز ... هناك طاولة لم تعطوها الخبز." و آخر يصيح " غراريف الماء... هل جلبتم الغراريف ؟" ..
    قد يحدث أن تُقدم لطاولة أربع سلال خبز بينما لا تعطى أخرى سلة واحدة ، الكل ينادي و يحسب نفسه القيّم على العرس ، الكل يأمر و يبدي آراءه التنظيمية و أنه كان من المفروض أن يفعلوا هكذا بدلا من هكذا ،، وأنه نصحهم بأن يزيدوا كمية ذاك الشيء و لكنهم تجاهلوه لذا سيقعون في ورطة ... وينتظر حدوث الورطة... صدّ قوني..ينتظرها حقيقة و ليس مجازا.
وجاء طاجين الزيتون باللحم ،، دائما يقدمون الزيتون بعد الحريرة ،، ثم طبق الفلفل.. وبدأنا نلتهم ما أمامنا ، مجانا !!!  وقال أحمد مرة ثانية : " لا تنسى نفسك يا مروان ! ... الزيتون !   أنت تعرف زيته و ما يفعل بالبذلة.."
هنا لاحظت أن أحد الجالسين حول المائدة المحاذية لنا قد استدار ،، لاشك أنه سمع عبارة أحمد ، ولا شك أنه سينقلها للجالسين معه و يفسرها حسب هواه. أكملنا طبق الزيتون ، وجاء البرقوق أو الحلو كما نسميه ،، ولثالث مرة يتفوّه أحمد تجاه مروان " البذلة يا مروان ،، البرقوق حلو.. و أنت تعلم آثار السكر..."
كاد مروان ينفجر غيضا ،، لاحظت احمرار وجنتيه رغم تلاعب الأنوار في الليل ...تأكدت أن البذلة ليست له و أنه استلفها من أحمد أو شيئا من هذا القبيل.وأظن أن الجالسين بجوارنا أيضا فهموا ذلك.
رُفعت الصحون و الملاعق لتتلوها الموائد... وبعد برهة سكتت الأغاني الغربية ... وصاح بلال ،، أقصد "الشاب بلال !!!" ( انت تزوجت !!) هذا ما تبدأ به الأغنية ، فأغاني الراي ليست لها عناوين .  وصرخ الجميع : "يا  وييييييييييييييوْ !!!!" ،، وقفز مروان من مكانه وهو يصيح " تقتلني !! تقتلني هذه الأغنية !! "
أقول لكم شيئا ؟ إنها لا تقتله ولا هم يحزنون... كل ما في الأمر أنه يحاول أن يبدي أنه محطم أو مدمر،، أو أن عشيقته قد تخلت عنه مثلا وتزوجت بآخر ثري ،، أو أنه مغبون وكل مشاكل العائلة تصب فوق رأسه..أو أن الدنيا قد أدارت له ظهرها و أنه غير محظوظ....أقصد...ترّهات وكلام فاض..هذا كل ما في الأمر. تقتلني !!!!  إنه حتى ليس له عشيقة ، وهو أصغر إخوته الخمسة... وكلهم ذوي مناصب... وأنه عاطل عن العمل وليست له أدنى مسؤولية في بيتهم.. ولا يعلم من أمور إدارة البيت إلا الأكل و النوم... ف ق ط.... الأكل و النوم ومشاهدة التلفزيون آلاف الساعات في اليوم.   تقتلني !!! ....كذب.
 وقام الجميع يرقص ، يقفز ، يصيح  فقد امتلأت البطون ولابد للأرداف أن تهتز. وكان من بين الراقصين مراهق ثمل يتراقص متمايلا ، متثاقلا ،مبالغا في إبداء ثمالته ولا شك أن الأغنية تقتله هو أيضا ، المسكين !! . الأمر الأكيد أنه قد شم رائحة خمر في منعطف ما وجاء يجري ليبدي للناس كم هو كبير وناضج ومتمحّن.
قام أحمد ، واتجه نحو مروان الذي كان منتشيا في غمرة الرقص و أنغام الأغنية التي تقتله..و رأيته يومئ له بيديه ... ومن خلال الإشارات فهمت أنه يحذره من نسيان نفسه والقيام بحركات قوية  مفاجئة بذراعيه خشية أن  يمزق البذلة أو يملؤها عرقا . كان يتكلم معه و الراقصون يرقصون وينظرون اليهما ، كل الناس كانت ترى ما يحدث ،، كل الناس علمت ما حدث. البذلة ليست لمروان بل استلفها من أحمد أو شيء من هذا القبيل.
غضب مروان... لا نقاش في ذلك... غضب .. وقال لي هيا لننصرف. فلم أمانع وخرجنا وسرد لي الحكاية في طريقنا... فعلا قد استلف البذلة من أحمد. و بينما نحن نمشي لحقنا ابراهيم  يلهث
وقال لمروان :" لقد أخطأت يا مروان ..نعم ،، لقد أخطأت ، لماذا تتعامل مع ذاك الكلب..النذل ،
ما الذي بينكما؟ لقد رايته يتكلم ويهذر عن شيء يخص بدلتك أو.. لست أدري "
لم يقل مروان شيئا.
أردف ابراهيم : " لا تكررها يا مروان أرجوك ،، إن احتجت لأي شيء فلا تقصد أحدا.. أنا هنا يا مروان... أخوك هنا...  أتترك أخاك وتقصد ذاك الرخيص ؟  أنا أكره ذاك الحمار."
قال مروان : " ok  إبراهيم".
وافترقنا ، ومرت أيام ،، وتبعتها أيام أخر، ودُعينا لعرس آخر ... لا يهم  من هو صاحب العرس.. جلسنا حول مائدة ،، مروان ببذلة أنيقة ، أنيقة جدا  جدا وأحمد ليس هنا معنا  ليعكر صفونا ولكن إبراهيم حل مكانه ،، و جاءت الأطباق ... وبدأنا نأكل ... وفجأة يصيح إبراهيم " مروان ! كل ، كل ولا تخجل... ليس للخجل مكان هنا...كل يا مروان ...نحن هنا "
لم يكن مروان خجولا يوما  ما في حياته، أنا اشهد على ذلك. وحمدت الله على  أن خالد لم يحرج مروان مثلما فعل يوما أحمد. الظاهر أن خالد "رجل والرجال قليلُ "...على الأقل هذا ما فهمته من خلال كثرة حديث مروان عنه.
بعد برهة صاح خالد مرة أخرى " كل يا مروان ،، لا تهتم لشيء ،، إن كنت تحمل هم البذلة ، فالله (يلعن أبوها) ، يحيا الرجال..."
" كل يا مروان ،،، وحتى لو غمست كمها في الزيت . لا يهم ،، تلك البذلة ثمرة عمل الرجال  "
كان خالد يصيح و مروان كالنعامة قد دس وجهه في الطبق...وقد دسست وجهي أنا كذلك... خجلت وخجلت وخجلت ، أقصد أ ُحرجت كثيرا ،  و كم تمنيت أن تكون لي قوة فارفع جسمي وأخبط جثتي بالحائط من شدة الخجل... غير أنني تنفست الصعداء لأن الأكل قد فرغ و بدأ الناس يرقصون ،، ومروان معهم. سريع النسيان مروان هذا.
   لم أقم لأرقص ، ليس لأني مؤدب أومترفع عن جمع الحثالة التي ترقص أمامي ، إطلاقا ، سيما نوع الغناء كان يقززني ويبعث في رغبة  في القيء . كنت جالسا  بجانب خالد ،، وبدأ خالد يصيح بأعلى صوته ""  هيا يا مروان ..جيد !!! جيد يا مروان ... نعم هكذا ..ارقص يمينا ...أرقص شمالا.. اقفز.لا يهمك لا البذلة ولا أي شيء..قطّع لها جدّها ...نحن لسنا كبعض الأنذال ...أرقص يا مروان ... إملأها عرقا ... بهدلها....فهي ثمرة عمل الرجال ...لعن الله الأنذال "
وفهم كل الراقصين الحادثة ،،والعازفين عن الرقص كذلك فهموا.. فهم الجيران وجيران الجيران ،، وفهم أهل البلدة كلهم علاقة خالد بمروان. وفهم العريس أن مروان قد استعار بذلة من  خالد.
مسكين  صديقي مروان !!!

هناك تعليقان (2):

  1. راااااااائعة
    لاطلالة الحرف مذاق خاص هاهنا
    دمت برقي

    نورجانا

    ردحذف
  2. أطل علينا نور وما درينا من أين أتانا
    احترنا ، فكّرنا ، قدّرنا فقيل تلك نورجانا.
    مرحبا بك يانورجانا، و شكرا على الإطراء.

    على فكرة مدونتك سوداء !!!! لم استطع ولوجها لست أدري لماذا.
    تحياتي ومودتي

    ردحذف