كرسي الرئاسة أو عرش النسر


"السخرية تنسف الطبقية والتراتبية"  
"لا بوش ولا شافيز لا إمبريالية اليانكي ولا الاستبداد الاستوائي. تستحق القارة الأميركية ما هو أفضل"
فوينتس

السياسة عهر، عهر الممكن!


   كعادة أعماله المتميزة بالكثافة والتعقيد اللذان يجعلان بعضها في كثير من الأحيان عسيرة الفهم، بالإضافة إلى تضمّنها نزعة ثقافية مع استثناءات قليلة عن القوالب الكلاسيكية للواقعية التقليدية، حيث كانت الواقعية السحرية التي مثلت تيارا واتجاها عاما في أمريكا اللاتينية احتكره الجيل القديم من كتاب الشعر والرواية، بدأت تتسلل إلى الإبداع السردي للجيل الجديد من الكتاب.
   يرى فوينتس أن أعماله تدور في دائرة الحداثة ويقول أن "السخرية تنسف الطبقية والتراتبية" مؤكداً بان القضية ليست عدم الفهم بقدر ما هي الفرق بين أن الأدب الكلاسيكي الكبير قام على الوضوح مثلما هو عند هوميروس يكون الجميع أبطالاً وآلهة يتكلمون لغة واحدة باستثناء حوريات البحر، فيما الأدب الحديث فيقوم على التعبير عن الالتباس، وتالياً عن سوء التفاهم وليس انقطاع الاتصال. ويرى أن " الرواية تفوق باقي الفنون الأدبية قدرة على توضيح عدم التفاهم، والروائي المعاصر يحاول أن يستكشف سوء التفاهم هذا ويعبر عنه، بحيث يفعل ذلك انطلاقاً من الاختلاف وليس من الوحدة التي ستكون مزيفة حتماً، وعليه تقبل هذه التعددية في واقعه". يحسب لفوينتس لدى النقاد أشياء كثيرة منها ما يمكن تسميته "الابتكار الكلامي والنقد اللغوي"، والميل إلى الغرائبي المضحك، والرعب والتدنيس، كما عرف عنه هواية تحطيم المقدسات لدى الناس..

يقول "لا أستطيع أن أتصور وأتمثل الأدب دون كذب.!، وأذكر أن دوستويفسكي علق على رواية "دون كيشوت" بأن مؤلفها أنقذ الحقيقة بواسطة الكذب.
 والحق أنه لولا هذا العنصر الأساسي في رواية " دون كيشوت" لما أستطاع سرفانتس أن يقول لنا الحقيقة. إن الكذب غير المقبول في الحياة العامة أو الحياة السياسية يمكن قبوله في الأدب كعنصر خلق. وهو هنا يتخذ اسما أخر: الخيال". وفوينتس ليس بعيداً عن المجتمع المكسيكي حيث يرى أن زمن القطيعة مع الحضارة الهندية الأميركية، زمن الفتح الأسباني "والمفارقة أن المنتصرين الحقيقيين كانوا الهنود الأمريكيين وليسوا الأسبان، خاصة في المكسيك والبييرو، فالهنود تغلبوا على الهزيمة، وعاشوا حياة شبه سرية كما وصفتُ ذلك في روايتي الأولى "الأرض أكثر صفاء" 1958م، وظلوا يحملون ثقافتهم الهندية حتى غرسوها في قلب الثقافة المهيمنة التي صار لها طابعهم، إن عذراء "غوادلوب" هي صورة هندية: صورة لقاء المنتصر بالمهزوم الذي عاد فأنتصر. ويتكرر مثل هذا التمثيل عهد الباروك، فالباروك هو الذي ملأ الفجوة بين المنتصرين والمهزومين".
 ****
ينطلق فوينتس في "كرسي الرئاسة" من كذبة ، من خيال ،  من حدث افتراضي، يرسم به مناخ الرواية الكاشف عن جوانب اللعبة السياسية في أمريكا اللاتينية عامة والمكسيك بصفة خاصة كونه بلد الكاتب.
  فوينتس صاحب "الغرينغو العجوز" و "أورا" و الرواية (التي لم أستطع إتمام قراءتها أبدا) «موت أرتيميو كروز» لم يكن أبدا بعيداً عن السياسة، فوالده كان ديبلوماسياً، كما كان هو نفسه سفيراً لبلاده في فرنسا منتصف سبعينات القرن الماضي. كمادرس لفترة في الشيلي حيث تأثر بنيرودا وغابرييلا ميسترال.

الحدث الافتراضي يقع في عام 2020، خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي، يتجرأ رئيس جمهورية المكسيك لورنزو تيران المثالي النزعة و يصوت ضد احتلال الولايات المتحدة لكولومبيا و يطالب بوقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة إذا لم توافق واشنطن على رفع أسعار النفط التي حددتها منظمة أوبيك ....فيأتي انتقام الولايات المتحدة سريعا، إذ تقرر رئيسة الولايات المتحدة كوندوليزا رايس-حسب فوينتس- قطع نظام الاتصالات بالمكسيك- فلم تعد هناك هواتف او فاكسات او انترنيت، فيغوص البلد في كابوس إداري لا حدود له، وتبقى الوسيلة الوحيد للاتصال هي الرسائل، ومن خلال هذه الرسائل يبرز المتنافسون على السلطة....  على عرش النسر، العنوان الأصلي للرواية.. النسر المتشبث بالصبار و الملتقط الأفعى بمنقاره .


****

من خلال هذه الرسائل يبرز دور فوينتس.. الدور الذي نكتشفه كلما توغلنا في قراءة الرسائل. حيث لم يستغل فوينتس هذا الحدث الفريد(انقطاع وسائل الاتصالات) انما احتاجه فقط كحيلة ترغم السياسيين المكسيكيين على تبادل الرسائل البريدية، هكذا تصبح الرواية عبارة عن مجموعة من الرسائل بين الحلفاء والأعداء السياسيين، وهي رسائل تكشف لنا المؤامرات التي تدور، والفضائح بأنواعها، كما تظهر لنا صعود البعض سياسياً، وسقوط آخرين.
خلال ما يقارب 400 صفحة ، يظهر فوينتس المتلاعب بالشخصيات كالبيادق على رقعة الشطرنج.. يظهر كقائد الاوركسترا يحرك شخصيات الرواية راسما ملامح المؤامرات التي تحاك هنا وهناك باسلوب روائي ممتع و شيق ويستعين بعدة شواهد من كتاب و سياسيين و شخصيات تارخية من امثال شكسبير ميكافيللي فولتير هتلر موسليني ستالين و غيرهم الكثير كما يروي صفحات من التاريخ المكسيكي وهو ما يدل على الثقافة الواسعة التي يتمتع بها الكاتب وهذا ما أضفى رونقا خاصا على الرسائل.
فوينتس يجيد رسم العلاقات الكاذبة، الخيانات والصفقات المشبوهة، يجيد رسم القتل و الاغتيالات و التصفيات والطرق المعوجة نحو السلطة...دون أن يهمل جانب الحياة الشخصية لكل من الشخوص، ودورها في السياسة،.. ويضيف بعد كل فصل حدثا استثنائيا دراميا ينقل الرواية إلى أبعد ما يكون، ويعيد ترتيب الأحداث والمشهد مرة أخرى ..

****

شعار الشخصيات في هذه الرواية هو الغاية تبرر الوسيلة لذلك نجدهم لا يتوانون عن فعل اي شيء في سبيل الوصول الى الكرسي فالكذب الخيانة المجون التحيل الابتزاز الوشاية و حتى الاغتيالات كلها امور مبررة وهو مايبرز بشاعة الهوة الاخلاقية التي يقبعون فيها.هذا و ان كانت غالبية الشخصيات تنتمي الى الطبقة الحاكمة فان كارلوس فوينتس لم يهمل مشاكل الطبقات الكادحة.
"لقد دفنت هذه البلاد الكثير من مشاعر السخط على مر السنين، قرون طويلة من الفقر والظلم والأحلام التي لم تتحقق"
الرواية لا توصف سياسة المكسيك فحسب إنما سياسة العالم ككل.
الرواية متسارعة جدا، ومليئة بالدراما والأحداث.
****
    قد تبدو الرواية منفرة لأول وهلة نظرا لشكلها غير المعهود... وقد تبدو مكسيكية بحتة , الا أن السياسة هي السياسة ,فما يحدث في الرواية من مؤامرات للوصول لعرش النسر ,ما يكتشف من سجلات قذرة لسياسيين اعتلوا سدة الحكم في المكسيك , ما يواجهه عمال المكسيك وطلابه. تجارة المخدرات وتجارة الرقيق الأبيض ,البلقنة أو نظام الولايات والتقسيم
تكاد تكون المشاكل ذاتها التي تواجهها جميع الدول , دول العالم الثالث بالأخص .
    تتوزع الرواية على نحو على 70 رسالة يتبادلها السياسيون...تجد فيها رسائل حب، رسائل تهديد بكشف المستور، رسائل وشاية ومؤامرة...وتجد فيها الرسائل المخلة بالحياء.
    رواية فوينتس هذه  مرآة تعكس روح المكسيك المثقلة بتبعات وجودها كجارة للولايات المتحدة الأمريكية، الجارة العظمى، وما يحمل تاريخ البلدين من جذور ملتبسة تكللت بحربين.
في احدى مقالاته يتحدث عن كيف تشكلت المكسيك في وعيه، وهو ابن الدبلوماسي الذي عاش طفولته في الولايات المتحدة، كبلد متخيلة، وأخرى واقعية.
****
   أثناء مجريات الرواية تقرأ تلك الواقعية السردية، ببعد شعري، بنية سردية تعتمد على الرسائل بين شخصيات متآمرة وينعكس في خطابها الواقع السياسي بطابعه الميكيافيلي. تتكرر ثيمة الوجود المكسيكي في بحر الطغيان الأمريكي، ثم في التواجد المتخيل لأمريكا اللاتينية، القارة التي بنظرة فوينتس تكمن اهميتها فيما تخلقه للعالم من مشاكل، او بالتحديد فيما تخلقه للجارة التي يصعب اختيارها، بينما يمكن اختيار الاصدقاء.
*****
رواية استهلكتني طوال شهرين .. رواية مجنونة .. شيقة و مملة.. سريعة و بطيئة .. سهلة و صعبة.. أنهيت الرسالة الأخيرة و أوجعتني ببساطتها و تساؤلاتها..و قد لخصت ما يفعله كرسي النسر بعشاقه.. أحببت الرواية برغم قسوتها .. لكن المؤكد أني تعلمت منها الكثير .. تعلمت منها كإنسان و ككاتب و كباحث عن الحقائق خلف الكواليس.
الرواية عظيمة فى كل جوانبها ، احداثها و تفاصلها.



 وأنا أقرأ كرسي الرئاسة كان ينتابني شعور انني أتجسس على الشخصيات وفي بعض الأحيان تخيلت نفسي جزءا منهم ...من الرواية...أن بي كثيرا من نقائصهم....وهي الحقيقة .

لست أدري و انا انهي هذه التدوينة إن كان يتوجب علي نصحك بقراءتها، لأنني كم مرة قررت التخلي عن قراءتها ولكن كان هناك شيء يشدني ولم أعرف كنهه.


ليست هناك تعليقات